1. QASAS
  2. المدونة

قصة ذي القرنين كاملة من القرآن الكريم: السد في وجه يأجوج ومأجوج

ملكٌ صالح مكّن الله له في الأرض، فبلغ مغرب الشمس ومطلعها، وبنى سدًّا لا يُصعد ولا يُنقب، ثم قال: هذا رحمة من ربي.

بقلم فريق قصص17 دقيقة قراءة

سد ذي القرنين يتوهج بين جبلين والنحاس المذاب يُسكب على الحديد، من بعيد

قصة ذي القرنين هي آخر قصص سورة الكهف الأربع، رواها القرآن الكريم في ست عشرة آية، من الآية 83 إلى الآية 98. وهي قصة رجلٍ أُعطي من القوة والتمكين ما لم يُعطَه إلا القليل في تاريخ البشر، فاستعمله في إقامة العدل وحماية الضعفاء، ونسب الفضل في كل خطوةٍ إلى ربه.

وقد افتتح القرآن خبره بسؤالٍ سُئل عنه، ثم قال: ﴿قُلْ سَأَتْلُوا۟ عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْرًا﴾ [الكهف: 83]. وليس الجواب سيرةً كاملة، بل «ذكرًا»؛ قال التفسير الميسر: ذكرًا تتذكرونه وتعتبرون به. فالقرآن يقصّ علينا من خبر ذي القرنين ما فيه العبرة، ويدع ما سوى ذلك.

نسير في هذا المقال مع الآيات بترتيبها، ونشرحها بما قاله أئمة التفسير المعتمدون: ابن كثير، والطبري، والسعدي، والتفسير الميسر، ونجيب عن أكثر ما يسأل عنه الناس: من هو ذو القرنين، وهل كان نبيًّا، وهل هو الإسكندر، وأين سدّه، ومن يأجوج ومأجوج. وما سكت عنه القرآن والتفسير نصرّح بأنه غير معلوم.

من هو ذو القرنين؟

ذو القرنين ملكٌ مؤمنٌ عادل، مكّن الله له في الأرض وآتاه الأسباب التي يبلغ بها ما يريد، ولم يذكر القرآن اسمه ولا بلده ولا زمانه. وقد سمّاه التفسير الميسر في شرح الآية 83 «الملك الصالح»، وهذا هو الوصف الذي اتفقت عليه كتب التفسير المعتمدة.

﴿وَيَسْـَٔلُونَكَ عَن ذِى ٱلْقَرْنَيْنِ ۖ قُلْ سَأَتْلُوا۟ عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْرًا ٨٣ إِنَّا مَكَّنَّا لَهُۥ فِى ٱلْأَرْضِ وَءَاتَيْنَـٰهُ مِن كُلِّ شَىْءٍ سَبَبًا ٨٤ فَأَتْبَعَ سَبَبًا ٨٥﴾
سورة الكهف · الآيات 83–85

أما تسميته بذي القرنين فقد نقل ابن كثير فيها أقوالًا عدة عن السلف ولم يجزم بواحدٍ منها، ومنها أنه سُمّي بذلك لأنه بلغ المشارق والمغارب، أي من حيث يطلع قرن الشمس ومن حيث يغرب، وهو ما تصفه القصة بعد ذلك.

والكلمة المفتاحية في الآية 84 هي «السبب». قال ابن كثير نقلًا عن مجاهد وسعيد بن جبير وقتادة وغيرهم إن المراد به العلم، وأن معناه يشمل أيضًا ما أُعطيه من القدرة والعُدد التي يفتح بها البلاد ويقهر بها الأعداء. وقال السعدي: ملّكه الله تعالى ومكّنه من النفوذ في أقطار الأرض وانقيادهم له. ثم أضاف السعدي قاعدةً تنفع كل واحدٍ منا: الأسباب وحدها لا تكفي، بل إذا اجتمعت القدرة على السبب الحقيقي والعمل به حصل المقصود، وإن عُدما أو أحدهما لم يحصل. وذو القرنين جمع بينهما: ﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾ [الكهف: 85]، أي، كما في التفسير الميسر، أخذ بتلك الأسباب والطرق بجدٍّ واجتهاد.

هل كان ذو القرنين نبيًّا؟

لم يذكر القرآن أن ذا القرنين نبي، ولم تجزم كتب التفسير المعتمدة بنبوّته. وقد ذكر ابن كثير ما بلغه من الأقوال: فمنها أنه كان ملكًا، ومنها أنه كان عبدًا صالحًا ناصح الله فناصحه. والذي يقرره القرآن نفسه أن الله خاطبه وخيّره [الكهف: 86]، وأنه آمن بربه وبالآخرة وبوعد الله [الكهف: 87-88، 98]، وأنه حكم بالعدل. أما هل كان ذلك الخطاب وحيًا أو إلهامًا، فمسألة ناقشها المفسرون من غير جزم، والعبرة من القصة لا تتوقف عليها.

والذي نقوله بثقة أن القرآن قدّمه نموذجًا للتمكين الصالح: رجلٌ فُتحت له الأرض كلها، فاستعملها في مرضاة الله.

هل ذو القرنين هو الإسكندر المقدوني؟

لم يربط القرآن ذا القرنين بشخصيةٍ تاريخية معيّنة، وابن كثير يفرّق بين ذي القرنين المذكور في القرآن وبين الإسكندر المقدوني. فقد وصف ابن كثير الإسكندر بن فيليبس المقدوني بأنه ملك اليونان الذي كان قبل المسيح عليه السلام بنحو ثلاثمائة سنة، وكان وزيره أرسطاطاليس، وضعّف الرواية التي تجعل ذا القرنين المذكور في القرآن من الروم، وقال إن فيها طولًا ونكارة وإن رفعها لا يصح.

ولما كان القرآن لم يذكر اسمًا ولا زمانًا، فالجواب الأمين أننا لا نعرف من هو في كتب التاريخ، ولسنا بحاجةٍ إلى ذلك. فقد قصد القرآن أن يتلو علينا من خبره «ذكرًا» نعتبر به، والعبرة تامّةٌ بلا اسم.

الرحلة الأولى: إلى مغرب الشمس

سار ذو القرنين في رحلته الأولى إلى أقصى ما يمكن أن يبلغه إنسان في جهة الغرب، حتى رأى الشمس كأنها تغرب في عينٍ حارّةٍ ذات طينٍ أسود، ووجد عندها قومًا، فخيّره الله بين تعذيبهم والإحسان إليهم.

﴿حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ ٱلشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِى عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْمًا ۗ قُلْنَا يَـٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا ٨٦ قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُۥ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَىٰ رَبِّهِۦ فَيُعَذِّبُهُۥ عَذَابًا نُّكْرًا ٨٧ وَأَمَّا مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَـٰلِحًا فَلَهُۥ جَزَآءً ٱلْحُسْنَىٰ ۖ وَسَنَقُولُ لَهُۥ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا ٨٨﴾
سورة الكهف · الآيات 86–88

وابن كثير صريح في أن الشمس لم تغرب في العين حقيقةً، بل بلغ ذو القرنين أقصى ما يُسلك في جهة الغرب، فرأى الشمس في مرأى العين كأنها تغيب في الماء، كما يراها كل من وقف على ساحل البحر، وهي لا تفارق فلكها الذي ثُبّتت فيه. وقال التفسير الميسر الشيء نفسه: وجدها في مرأى العين كأنها تغرب في عينٍ حارّةٍ ذات طينٍ أسود.

وفي الكلمة قراءتان: «حَمِئة» أي ذات حمأة وطين، و«حامية» أي حارّة. وقد ذكر الطبري القراءتين، وقال إنهما قراءتان مستفيضتان في قراءة الأمصار، ولكل واحدةٍ منهما وجهٌ صحيح ومعنى مفهوم، وأنهما لا تتعارضان، إذ يمكن أن تكون العين حارّةً ذات حمأة معًا. والتفسير الميسر جمع بين المعنيين في عبارته.

ووجد عند تلك العين قومًا، فقال الله له: ﴿إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ [الكهف: 86]. قال السعدي: خُيّر بين الأمرين لأن الظاهر أنهم كفارٌ أو فسّاق. وفسّر الطبري التعذيب بقتلهم إن لم يدخلوا في الإقرار بتوحيد الله، والحُسنى بأن يأسرهم فيعلّمهم الهدى ويبصّرهم الرشاد.

وجواب ذي القرنين دستورٌ قصير للحكم العادل. فمن ظلم، أي ظلم نفسه بالكفر بربه كما في التفسير الميسر، فله عذابٌ في الدنيا ثم عذابٌ أشدّ عند الله في الآخرة. ومن آمن وعمل صالحًا فله الجنة ثوابًا من الله، وله من ذي القرنين نفسه ﴿مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا﴾ [الكهف: 88]، أي، كما في التفسير الميسر: سنحسن إليه ونلين له في القول ونيسّر له المعاملة. فلم تكن القوة في يده رخصةً ليفعل ما يشاء، بل أمانةً يحكم بها بميزان الإيمان والعدل.

الرحلة الثانية: إلى مطلع الشمس

ثم سار ذو القرنين في الجهة المقابلة حتى بلغ أقصى المشرق، فوجد الشمس تطلع على قومٍ ليس لهم ما يسترهم منها.

﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا ٨٩ حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ ٱلشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَىٰ قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتْرًا ٩٠ كَذَٰلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا ٩١﴾
سورة الكهف · الآيات 89–91

قال التفسير الميسر: وجدها تطلع على قومٍ ليس لهم بناءٌ يسترهم ولا شجرٌ يظلّهم من الشمس. ونقل ابن كثير عن قتادة أنهم كانوا بأرضٍ لا تُنبت شيئًا، فإذا طلعت الشمس دخلوا في أسرابٍ حتى تزول، ثم خرجوا إلى معايشهم. ولم يزد القرآن على ذلك شيئًا، ونحن لا نزيد.

والآية التي تختم هذه الرحلة مهمّة: ﴿وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا﴾ [الكهف: 91]. قال ابن كثير عن مجاهد والسدّي: إن الله يعلم كل ما كان عند ذي القرنين وجنوده، لا يخفى عليه منه شيء، وإن كانت جيوشه من أممٍ وبلادٍ شتى. وقال التفسير الميسر: أحاط علمنا بما عنده من الخير والأسباب العظيمة حيثما توجّه وسار. فقبل أعظم إنجازٍ في القصة يذكّرنا القرآن بهدوء: كل ما فعله ذو القرنين، فعلم الله محيطٌ به وعطاء الله من ورائه.

الرحلة الثالثة: القوم الذين بين السدّين

وصل ذو القرنين في رحلته الثالثة إلى ممرٍّ بين جبلين، فوجد عنده قومًا لا يكادون يفقهون قولًا، يعيشون في خوفٍ من يأجوج ومأجوج.

﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا ٩٢ حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ بَيْنَ ٱلسَّدَّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْمًا لَّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا ٩٣ قَالُوا۟ يَـٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِى ٱلْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَىٰٓ أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا ٩٤﴾
سورة الكهف · الآيات 92–94

قال التفسير الميسر: «بين السدّين» أي بين الجبلين الحاجزين لما وراءهما، و﴿لَّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ [الكهف: 93] أي لا يكادون يعرفون كلام غيرهم. وقال ابن كثير إنهم لانقطاعهم عن سائر الناس كان كلامهم عسير الفهم.

قومٌ بين جبلين خائفون من فساد يأجوج ومأجوج يطلبون من ذي القرنين سدًّا
قومٌ بين جبلين خائفون من فساد يأجوج ومأجوج يطلبون من ذي القرنين سدًّا

ومع ذلك أفهموه ما يريدون، فالخوف لغةٌ يفهمها الجميع. قالوا له: ﴿إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِى ٱلْأَرْضِ﴾ [الكهف: 94]، وعرضوا عليه «خرجًا»، أي مالًا يجمعونه له من بينهم، على أن يجعل بينهم وبينهم سدًّا. قال ابن كثير في «الخرج»: أجرًا عظيمًا، أرادوا أن يجمعوا له مالًا يعطونه إياه ليبني لهم السد.

من هم يأجوج ومأجوج؟

يأجوج ومأجوج أمّتان عظيمتان من بني آدم، مفسدون في الأرض، سيخرجون بإذن الله قبل يوم القيامة. هذا ما قاله القرآن والتفسير، وهو كل ما نحتاج إليه.

فالتفسير الميسر يقول إنهما أمّتان عظيمتان من بني آدم، مفسدون في الأرض بإهلاك الحرث والنسل، وابن كثير يقرر كذلك أنهم من ذرية آدم. ولم يذكرهم القرآن إلا في موضعٍ آخر، في سورة الأنبياء، حيث رُبط خروجهم باقتراب الساعة:

﴿حَتَّىٰٓ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ ٩٦ وَٱقْتَرَبَ ٱلْوَعْدُ ٱلْحَقُّ فَإِذَا هِىَ شَـٰخِصَةٌ أَبْصَـٰرُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يَـٰوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِى غَفْلَةٍ مِّنْ هَـٰذَا بَلْ كُنَّا ظَـٰلِمِينَ ٩٧﴾
سورة الأنبياء · الآيات 96–97

وما وراء ذلك، من وصف أشكالهم أو أعدادهم أو بلادهم، لم يذكره القرآن، وما تزيده القصص الشعبية من هذه التفاصيل ليس من القرآن.

لماذا رفض ذو القرنين المال؟

رفض ذو القرنين مال القوم لأن ما أعطاه الله خيرٌ من كل ما يعرضون، وطلب منهم بدل المال سواعدهم.

﴿قَالَ مَا مَكَّنِّى فِيهِ رَبِّى خَيْرٌ فَأَعِينُونِى بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا ٩٥﴾
سورة الكهف · الآية 95

قال التفسير الميسر: ما أعطانيه ربي من الملك والتمكين خيرٌ لي من مالكم، فأعينوني بقوةٍ منكم أجعل بينكم وبينهم سدًّا. وقارن ابن كثير جوابه بجواب سليمان عليه السلام لرسل سبأ حين قال إن ما آتاه الله خيرٌ مما آتاهم [النمل: 36]. فالملك الذي يرى قوته عطيةً من الله لا يبيع خدمته للخائفين.

وتأمل ما طلبه: لم يبنِ لهم السد وهم ينظرون، بل قال: ﴿فَأَعِينُونِى بِقُوَّةٍ﴾ [الكهف: 95]، أي بأيديكم وموادّكم. وفسّر السعدي «الردم» بأنه مانعٌ من عبور يأجوج ومأجوج عليهم. فالحماية حمايتهم، بنوها بأيديهم تحت إدارته.

كيف بُني سد ذي القرنين؟

بُني السد من قطع الحديد رُصّت بين جانبي الجبلين، ثم أُوقدت عليها النار ونُفخ فيها حتى صار الحديد كله كالنار، ثم أُفرغ عليه النحاس المذاب.

﴿ءَاتُونِى زُبَرَ ٱلْحَدِيدِ ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا سَاوَىٰ بَيْنَ ٱلصَّدَفَيْنِ قَالَ ٱنفُخُوا۟ ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَعَلَهُۥ نَارًا قَالَ ءَاتُونِىٓ أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا ٩٦﴾
سورة الكهف · الآية 96

ذكر القرآن الطريقة في أربعة أوامر. الأول: ﴿ءَاتُونِى زُبَرَ ٱلْحَدِيدِ﴾ [الكهف: 96]. قال ابن كثير نقلًا عن مجاهد وقتادة وغيرهما: الزُّبَر قطع الحديد، وأنها وُضعت من الأساس حتى ساوت ما بين الجبلين. وقال التفسير الميسر: وضعوه وحاذوا به جانبي الجبلين.

قطع الحديد تُرصّ طبقةً فوق طبقة حتى سدّ الجدار ما بين الجبلين
قطع الحديد تُرصّ طبقةً فوق طبقة حتى سدّ الجدار ما بين الجبلين

الثاني: ﴿قَالَ ٱنفُخُوا۟﴾ [الكهف: 96]. أُوقدت النيران على الحديد وضُغطت المنافخ حتى صار، بنص الآية، نارًا. قال التفسير الميسر: قال للعمال: أجّجوا النار، حتى إذا صار الحديد كله نارًا.

النيران موقدة على جدار الحديد والمنافخ تعمل حتى صار المعدن كالجمر
النيران موقدة على جدار الحديد والمنافخ تعمل حتى صار المعدن كالجمر

الثالث والرابع: ﴿ءَاتُونِىٓ أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ [الكهف: 96]. نقل ابن كثير عن مجاهد وقتادة وغيرهما أن القِطر هو النحاس، وقال بعضهم: النحاس المذاب. وقال التفسير الميسر: أعطوني نحاسًا أُفرغه عليه. فتسلّل النحاس في كل شقٍّ بين قطع الحديد، وصار الكل كتلةً واحدةً ملساء.

النحاس المذاب يُسكب على الحديد المتوهج فيصير سدًّا واحدًا لا يُتسلّق ولا يُنقب
النحاس المذاب يُسكب على الحديد المتوهج فيصير سدًّا واحدًا لا يُتسلّق ولا يُنقب
قصة ذي القرنينشاهد القصة في تطبيق قصصقصة ذي القرنينكيف بنى ذو القرنين سدًّا لا يخترقه يأجوج ومأجوج؟افتح على Google Play ←

وذكر ابن كثير أن العلماء اختلفوا في مقدار ارتفاع السد وعرضه، والقرآن لم يذكر مقاييس. والوصف الذي في الآية كافٍ لنعلم أنه كان عملًا هندسيًّا عظيمًا في زمانه.

«هذا رحمة من ربي»

صمد السد: فلم يستطع يأجوج ومأجوج أن يصعدوه ولا أن ينقبوه، ونسب ذو القرنين الفضل كله إلى الله وحده.

﴿فَمَا ٱسْطَـٰعُوٓا۟ أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا ٱسْتَطَـٰعُوا۟ لَهُۥ نَقْبًا ٩٧ قَالَ هَـٰذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّى ۖ فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ رَبِّى جَعَلَهُۥ دَكَّآءَ ۖ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّى حَقًّا ٩٨﴾
سورة الكهف · الآيات 97–98

قال التفسير الميسر في العجزين: ما استطاعوا أن يصعدوا فوق السد لارتفاعه وملاسته، وما استطاعوا أن ينقبوه من أسفله لبُعد عرضه وقوته. ولاحظ ابن كثير أن القرآن عبّر عن المحاولتين بصيغتين مختلفتين، دلالةً على صعوبة كلٍّ منهما.

ثم تأتي الجملة التي تعطي القصة معناها. وقف ذو القرنين أمام أعظم بناءٍ في القصة، فلم يقل: انظروا ما بنيت، بل قال: ﴿هَـٰذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّى﴾ [الكهف: 98]. قال ابن كثير: كان السد رحمةً بالناس وحاجزًا يمنع يأجوج ومأجوج من الإفساد. واستخرج السعدي من الكلمة خُلُق صاحبها، فقال إن الملوك الصالحين إذا أنعم الله عليهم بالنعم العظيمة ازدادوا شكرًا، ومثّل بسليمان عليه السلام حين قال عن عرش بلقيس إنه من فضل ربه [النمل: 40]. أما المتكبرون فيزدادون بالنعم بطرًا، ومثّل بقارون حين قال إنما أوتيه على علمٍ عنده [القصص: 78].

ثم قال ذو القرنين ما لا يقوله بانٍ عن بنائه: إنه لن يبقى. ﴿فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ رَبِّى جَعَلَهُۥ دَكَّآءَ ۖ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّى حَقًّا﴾ [الكهف: 98]. قال التفسير الميسر: فإذا جاء وعد ربي بخروج يأجوج ومأجوج جعله دكّاء منهدمًا مستويًا بالأرض. وفسّر ابن كثير «دكّاء» بالأرض المستوية، وقال إن الوعد كائنٌ لا محالة. فأقوى سدٍّ بُني في القصة كان في عين بانيه زائلًا، ووعد الله وحده هو الباقي.

ماذا يحدث إذا فُتح السد؟

ينتقل القرآن من السد مباشرةً إلى يوم القيامة، حتى لا يفصل القارئ بين القصة ومقصدها.

﴿۞ وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِى بَعْضٍ ۖ وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ فَجَمَعْنَـٰهُمْ جَمْعًا ٩٩﴾
سورة الكهف · الآية 99

وجعل ابن كثير خروج يأجوج ومأجوج من أشراط الساعة قبل يوم القيامة، وأحال على آيتي سورة الأنبياء [الأنبياء: 96-97] المذكورتين أعلاه. ولم يذكر القرآن موعدًا ولا وصفًا وراء ذلك، ونقف حيث وقف.

أحداث قصة ذي القرنين بالترتيب

المرحلةما حدثالآيات
السؤاليُسأل عن ذي القرنين، فيعد القرآن بذكرٍ يُعتبر بهالكهف: 83
العطاءيمكّن الله له في الأرض ويؤتيه من كل شيءٍ سببًاالكهف: 84-85
المغربيبلغ مغرب الشمس ويجد قومًا فيحكم فيهم بالعدلالكهف: 86-88
المشرقيبلغ مطلع الشمس وقومًا ليس لهم منها سترالكهف: 89-91
بين السدّينيجد قومًا لا يكادون يفقهون قولًا يخافون يأجوج ومأجوجالكهف: 92-94
الرفضيردّ مالهم ويطلب أن يعينوه بقوةالكهف: 95
السدزُبر الحديد، والنار والنفخ، والقِطر المذابالكهف: 96
النتيجةلا يستطيعون صعوده ولا نقبه؛ «هذا رحمة من ربي»الكهف: 97-98
الوعديصير السد دكّاء إذا جاء وعد الله، ويُنفخ في الصورالكهف: 98-99

دروس وعبر من قصة ذي القرنين

  1. القوة عطيةٌ وأمانة. تبدأ القصة بقوله تعالى: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُۥ فِى ٱلْأَرْضِ﴾ [الكهف: 84]. فكل ما ملكه ذو القرنين ملكه من الله، ولم ينسَ ذلك قط.
  1. خذ بالأسباب ثم اعمل. آتاه الله من كل شيءٍ سببًا، فأتبع سببًا. وقاعدة السعدي هي الدرس: لا بد من اجتماع السبب والعمل به، وإلا لم يحصل المقصود.
  1. العدل لا يتغير بتغيّر الناس. في أقصى المغرب، بين قومٍ لا سلطان لهم عليه، أعلن القاعدة نفسها للظالم وللمؤمن التي تصلح في كل مكان.
  1. الرفق من العدل. وعد المؤمنين منهم، مع الثواب، يُسرًا من أمره: قولًا ليّنًا ومعاملةً سهلة.
  1. من يخاف الله لا يبيع الحماية. ردّ خرج قومٍ خائفين، لأن ما مكّنه فيه ربه خير.
  1. أعِن الناس على أن يعينوا أنفسهم. «فأعينوني بقوة»: أدار العمل، لكن القوم بنوا سدّهم بأيديهم.
  1. إتقان العمل عبادة. حديد، ونار، ونفخ، ونحاس: سجّل القرآن الطريقة خطوةً خطوة، لأن إحسان العمل مقصود.
  1. انسب الفضل إلى الله. «هذا رحمة من ربي»: هذه الجملة التي كانت القصة كلها تسير إليها.
  1. ما نبنيه زائل، ووعد الله باق. قال عن سدّه هو إنه سيصير دكّاء، وإن وعد ربه حق.
  1. علم الله محيطٌ بكل شيء. قبل السد ذكّرنا القرآن أن الله أحاط بما لدى ذي القرنين خبرًا؛ فلا إنجاز يخرج عن علم الله ومشيئته.

كيف نحكي قصة ذي القرنين للأطفال؟

يحبّ الأطفال هذه القصة لأن فيها سدًّا ونارًا ومعدنًا مذابًا وقومًا محتاجين إلى العون، ولأن بطلها قويٌّ من غير كِبر. ابدأ بالعطية: أعطى الله ملكًا صالحًا قوةً يسافر بها في الأرض كلها. واسأل طفلك: لو كانت لك هذه القوة، ماذا كنت ستفعل بها؟

ثم تابع الرحلات الثلاث. في المغرب وجد قومًا فحكم فيهم بالعدل: من أساء يُعاقب، ومن أحسن يُعامَل بالرفق. وفي المشرق وجد قومًا ليس لهم بيوتٌ ولا شجرٌ يستترون به من الشمس. وبين جبلين وجد قومًا خائفين لا يكادون يفهمون كلامه، فطلبوا منه سدًّا يمنع عنهم يأجوج ومأجوج، وعرضوا عليه المال. فقال: لا، ما أعطاني الله خير. وقال بدل ذلك: أعينوني.

واروِ البناء بترتيبه، فالأطفال يحفظون الخطوات: قطع الحديد، ثم النار والنفخ حتى يتوهج، ثم النحاس المذاب يُسكب فوقه. ثم أجمل ما في القصة: لم يستطع يأجوج ومأجوج أن يصعدوه ولا أن ينقبوه. وماذا قال الملك؟ لم يقل: أنا فعلت، بل قال: هذا رحمة من ربي.

والتزم بما قاله القرآن. فإذا سأل طفلك: أين السد؟ أو كيف شكل يأجوج ومأجوج؟ فالجواب الأمين أن القرآن لم يخبرنا، وأننا لا نحتاج إلى ذلك لنتعلم الدرس. وفي تطبيق قصص هذه القصة حلقةٌ سينمائية قصيرة بعنوان «قصة ذي القرنين» يشاهدها الطفل ثم يقرؤها صفحةً صفحة، والآية على الشاشة، وفي آخرها اختبارٌ من ثلاثة أسئلة. ولقصةٍ أخرى من السورة نفسها اقرأ قصة أهل الكهف.

شاهد قصة ذي القرنين واقرأها في تطبيق قصص

تطبيق قصص هو تطبيق قصص الأنبياء المجاني، بلا إعلانات ولا حساب. وقصة «ذي القرنين» فيه مروية من الآيات أعلاه وحدها، بمشاهد لا وجوه فيها ونص القرآن على الشاشة، تُشاهد أو تُقرأ صفحةً صفحة مع اختبار. وفي التطبيق مصحفٌ كامل مع التلاوة والتفسير الميسر وتفسير ابن كثير والترجمة وكلمة بكلمة، فتستطيع أن تفتح سورة الكهف من الآية 83 إلى 98 وتقرأ تفسير كل آيةٍ في هذا المقال بنفسك. وسورة الكهف تُقرأ كل جمعة، والتطبيق يذكّرك بها. وفيه مواقيت الصلاة مع الأذان، وبوصلة القبلة، والسبحة ثلاثية الأبعاد، والأذكار. وهو متوفر الآن على Google Play، ونسخة الآيفون قريبًا.

وللقصص التي تشارك قصة ذي القرنين درس القوة، اقرأ قصة موسى وفرعون، حيث ادّعى ملكٌ القوة لنفسه فكانت عاقبته النقيض، والصبر في قصص الأنبياء.

أسئلة شائعة

من هو ذو القرنين في القرآن؟

ذو القرنين ملكٌ صالحٌ عادل مكّن الله له في الأرض وآتاه من كل شيءٍ سببًا، كما وصفته سورة الكهف [الكهف: 83-98]. وسمّاه التفسير الميسر «الملك الصالح». ولم يذكر القرآن اسمه ولا بلده ولا زمانه، ولم يجزم التفسير بشيءٍ من ذلك.

هل ذو القرنين نبي؟

لم يقل القرآن إنه نبي، ولم تجزم كتب التفسير المعتمدة بذلك. ونقل ابن كثير أقوالًا بأنه كان ملكًا وأقوالًا بأنه كان عبدًا صالحًا. والذي يقرره القرآن أنه آمن بالله والآخرة، وأن الله خاطبه وخيّره، وأنه حكم بالعدل.

هل ذو القرنين هو الإسكندر الأكبر؟

لا، بحسب التفسير المعتمد. فابن كثير يفرّق بين ذي القرنين المذكور في القرآن وبين الإسكندر المقدوني الذي يجعله قبل المسيح عليه السلام بنحو ثلاثمائة سنة، ويضعّف الرواية التي تجعل ذا القرنين من الروم ويصفها بالنكارة. والقرآن نفسه لم يسمّ شخصيةً تاريخية.

هل غربت الشمس حقًّا في عينٍ حمئة؟

لا. قال ابن كثير إن ذا القرنين بلغ أقصى ما يُسلك في جهة الغرب، وإن الشمس بدت له كأنها تغيب في الماء كما تبدو لكل من وقف على الساحل، وهي لا تفارق فلكها. وقال التفسير الميسر: وجدها في مرأى العين كأنها تغرب في عينٍ حارّةٍ ذات طينٍ أسود.

من هم يأجوج ومأجوج؟

أمّتان عظيمتان من بني آدم مفسدون في الأرض، كما قال التفسير الميسر في الآية 94 وقرره ابن كثير. ذكرهم القرآن في سورة الكهف وفي سورة الأنبياء [الأنبياء: 96]، حيث رُبط خروجهم باقتراب الساعة. ولم يصف القرآن أشكالهم ولا أعدادهم.

أين يقع سد ذي القرنين اليوم؟

لم يذكر القرآن موضعه، ولم يثبت التفسير مكانًا معيّنًا. ووصفه القرآن سدًّا بين جبلين من الحديد والنحاس المذاب، وأخبر أنه سيصير دكّاء إذا جاء وعد الله. وما يُقال اليوم عن مكانٍ بعينه ليس من القرآن ولا من التفسير المعتمد.

مم بُني سد ذي القرنين؟

من قطع الحديد وُضعت بين جانبي الجبلين، ثم أُوقدت عليها النار ونُفخ فيها حتى صار الحديد كالنار، ثم أُفرغ عليه النحاس المذاب [الكهف: 96]. ونقل ابن كثير عن مجاهد وقتادة أن الزُّبر قطع الحديد وأن القِطر النحاس.

ماذا نتعلم من قوله «هذا رحمة من ربي»؟

نتعلم أن المؤمن ينسب كل نجاحٍ إلى الله لا إلى نفسه. قال السعدي إن الملوك الصالحين يزدادون بالنعم شكرًا كما فعل سليمان عليه السلام، وإن المتكبرين يزدادون بها بطرًا كما فعل قارون. وزاد ذو القرنين أن سدّه نفسه سيصير دكّاء إذا جاء وعد الله، لأن وعد الله وحده هو الباقي.

المصادر

القرآن الكريم: سورة الكهف 83-99، سورة الأنبياء 96-97، سورة النمل 36 و40، سورة القصص 78. التفسير: التفسير الميسر (الكهف 83-99، الأنبياء 96)؛ تفسير ابن كثير (الكهف 83-99)؛ تفسير الطبري (الكهف 86)؛ تيسير الكريم الرحمن للسعدي (الكهف 84-88، 95، 98).

آخر تحديث: · بقلم فريق قصص

مجاني · بدون إعلانات · بدون حساب

شاهد القصة واقرأها في قصص

متوفر الآن على أندرويد. نسخة الآيفون قيد المراجعة من آبل وستصل قريباً جداً.

متوفر علىGoogle Playقريباً علىApp Store
QR code: QASAS on Google Playامسح الرمز بهاتفك الأندرويد للتحميل مباشرة

شاهد هذه القصص في التطبيق

اقرأ أيضاً