1. QASAS
  2. المدونة

قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام كاملة من القرآن الكريم: الأصنام والنار

فتًى سأل مدينته كلها سؤالًا واحدًا، وحطّم أصنامها بيمينه، ثم أُلقي في نارٍ أمرها الله أن تكون بردًا وسلامًا.

بقلم فريق قصص17 دقيقة قراءة

سيدنا إبراهيم من الخلف واقفًا على حافة النار العظيمة متوكلًا على الله وحده

قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام هي قصة الرجل الذي سمّاه القرآن خليل الله [النساء: 125]، وجعله أسوةً حسنة للمؤمنين [الممتحنة: 4]. وقف وحده أمام أبيه ومدينته وملكها، لا بجيش ولا بقوة، بل بأسئلة: ما هذه التماثيل؟ هل يسمعونكم إذ تدعون؟ أتعبدون ما تنحتون؟

وقد روى القرآن الكريم أول حياته في مواضع يكمل بعضها بعضًا. ففي سورة الأنبياء (51-73) خبر تحطيم الأصنام والإلقاء في النار، وفي سورة الأنعام (74-83) حجّته بالكوكب والقمر والشمس، وفي سورة مريم (41-50) حواره الرقيق مع أبيه، وفي سورة الشعراء (69-89) وصفه لربه ودعاؤه، وفي سورة الصافات (83-99) عودة إلى الأصنام والنار بتفاصيل جديدة، وفي سورة العنكبوت (16-27) قولُ قومه «اقتلوه أو حرّقوه»، وفي سورة البقرة (258) خبر الملك الذي حاجّه في ربه.

نروي في هذا المقال القصة مرتبةً بحسب أحداثها، معتمدين على آيات القرآن وعلى ما قاله أئمة التفسير المعتمدون: ابن كثير، والسعدي، والتفسير الميسر. وما تزيده القصص الشعبية من أسماء وأعداد ومشاهد لم يذكرها القرآن، نبيّن أمره بوضوح. أما ما جاء بعد ذلك من حياة إبراهيم، من ولادة إسماعيل وإسحاق، وبناء الكعبة، والذبيح، فنشير إليه في آخر المقال، وله مقالات خاصة.

من هو سيدنا إبراهيم عليه السلام؟

سيدنا إبراهيم عليه السلام نبيٌّ ورسول اصطفاه الله وهداه وجعله إمامًا للناس. وقد وصفه القرآن بأوصاف لم تجتمع لنبيٍّ غيره على هذا النحو:

﴿إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ١٢٠ شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ ۚ ٱجْتَبَىٰهُ وَهَدَىٰهُ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ ١٢١ وَءَاتَيْنَـٰهُ فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً ۖ وَإِنَّهُۥ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ ١٢٢ ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ أَنِ ٱتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفًا ۖ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ١٢٣﴾
سورة النحل · الآيات 120–123

وفي سورة النساء يقول الله تعالى: ﴿وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرَٰهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: 125]، وفي التفسير الميسر أن في هذه الآية إثبات صفة الخُلّة لله تعالى، وهي أعلى مقامات المحبة والاصطفاء. ووصفته سورة مريم بأنه ﴿كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا﴾ [مريم: 41]، ووصفته سورة هود بأنه ﴿لَحَلِيمٌ أَوَّٰهٌ مُّنِيبٌ﴾ [هود: 75]. وأمرنا الله أن نتبع ملّته: ﴿بَلْ مِلَّةَ إِبْرَٰهِـۧمَ حَنِيفًا﴾ [البقرة: 135]. فمن فهم قصة إبراهيم فقد فهم أصل دينه.

آزر أبو إبراهيم وعبادة الأصنام

نشأ سيدنا إبراهيم في قوم يعبدون الأصنام، وكان أبوه واحدًا منهم. وقد سمّى القرآن أباه في موضع واحد:

﴿۞ وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ ءَازَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا ءَالِهَةً ۖ إِنِّىٓ أَرَىٰكَ وَقَوْمَكَ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ ٧٤﴾
سورة الأنعام · الآية 74

هذا هو الاسم الوحيد الذي ذكره القرآن لأبي إبراهيم، ولم يذكر عنه شيئًا آخر: لا صنعته ولا عمره ولا صفته. وما يُروى في القصص الشعبية من أنه كان ينحت الأصنام أو يبيعها ليس في القرآن، ولسنا بحاجة إليه.

وتفتتح سورة الأنبياء خبر إبراهيم ببيان مصدر هذا الوضوح الذي كان فيه:

﴿۞ وَلَقَدْ ءَاتَيْنَآ إِبْرَٰهِيمَ رُشْدَهُۥ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِۦ عَـٰلِمِينَ ٥١ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِۦ مَا هَـٰذِهِ ٱلتَّمَاثِيلُ ٱلَّتِىٓ أَنتُمْ لَهَا عَـٰكِفُونَ ٥٢ قَالُوا۟ وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا لَهَا عَـٰبِدِينَ ٥٣ قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَءَابَآؤُكُمْ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ ٥٤ قَالُوٓا۟ أَجِئْتَنَا بِٱلْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ ٱللَّـٰعِبِينَ ٥٥ قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ٱلَّذِى فَطَرَهُنَّ وَأَنَا۠ عَلَىٰ ذَٰلِكُم مِّنَ ٱلشَّـٰهِدِينَ ٥٦﴾
سورة الأنبياء · الآيات 51–56

قال ابن كثير: الرشد هو الهداية والحجة التي آتاها الله إبراهيم من صغره، وألهمه الحق والبرهان على قومه، وقوله «وكنا به عالمين» أي أنه كان أهلًا لذلك. فلما سألهم إبراهيم عن التماثيل لم يكن عندهم إلا جواب واحد: وجدنا آباءنا لها عابدين. ونبّه ابن كثير إلى أنهم لم يكن لهم دليل سوى صنيع آبائهم. وكان جواب إبراهيم أنهم وآباءهم في ضلال مبين، فخاطب الآباء والأبناء معًا، لأن الجميع ترك الصراط المستقيم.

ثم جاء سؤالهم الذي يكشف غرابة كلامه في آذانهم: ﴿أَجِئْتَنَا بِٱلْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ ٱللَّـٰعِبِينَ﴾ [الأنبياء: 55]، فما سمعوا مثل هذا من قبل. فأجابهم إبراهيم بلبّ دعوته: ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن، وأنا على ذلك من الشاهدين.

معبد الأصنام في مدينة إبراهيم بعد خروج أهلها إلى عيدهم، وسيدنا إبراهيم من الخلف يدخله وحده
معبد الأصنام في مدينة إبراهيم بعد خروج أهلها إلى عيدهم، وسيدنا إبراهيم من الخلف يدخله وحده

حوار إبراهيم مع أبيه برفق

خاطب سيدنا إبراهيم أباه بلين ورحمة، حتى حين ردّ عليه أبوه بالتهديد. وقد حفظت لنا سورة مريم هذا الحوار:

﴿وَٱذْكُرْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ إِبْرَٰهِيمَ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا ٤١ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَـٰٓأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِى عَنكَ شَيْـًٔا ٤٢ يَـٰٓأَبَتِ إِنِّى قَدْ جَآءَنِى مِنَ ٱلْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَٱتَّبِعْنِىٓ أَهْدِكَ صِرَٰطًا سَوِيًّا ٤٣ يَـٰٓأَبَتِ لَا تَعْبُدِ ٱلشَّيْطَـٰنَ ۖ إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ عَصِيًّا ٤٤ يَـٰٓأَبَتِ إِنِّىٓ أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَـٰنِ وَلِيًّا ٤٥﴾
سورة مريم · الآيات 41–45

أربع مرات يقول: «يا أبتِ». لا يتّهم، بل يسأل: لمَ تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئًا؟ ويخبره أنه جاءه من العلم ما لم يأته، ويعرض عليه أن يهديه صراطًا سويًّا، ويحذّره من طاعة الشيطان، ويصرّح بأنه يخاف عليه.

فكان جواب الأب جافيًا:

﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ ءَالِهَتِى يَـٰٓإِبْرَٰهِيمُ ۖ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ ۖ وَٱهْجُرْنِى مَلِيًّا ٤٦ قَالَ سَلَـٰمٌ عَلَيْكَ ۖ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّىٓ ۖ إِنَّهُۥ كَانَ بِى حَفِيًّا ٤٧ وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا ٤٨﴾
سورة مريم · الآيات 46–48

هدّده آزر بالرجم وأمره أن يبتعد عنه زمنًا طويلًا. فكان ردّ إبراهيم من أجمل ما في القصة: ﴿سَلَـٰمٌ عَلَيْكَ ۖ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّىٓ﴾ [مريم: 47]. قال السعدي: أجابه إبراهيم جوابَ عباد الرحمن إذا خاطبهم الجاهلون، فلم يشتم أباه ولم يقل له ما يسوؤه، وقوله «سلام عليك» وعدٌ له بأنه لا يناله منه مكروه ولا كلام غليظ. واستنبط السعدي من هذا المشهد أن الدعوة إلى الله على طريقة إبراهيم تكون بالعلم والحكمة واللين والصبر ومقابلة الإساءة بالإحسان.

ووفى إبراهيم بوعده، ففي سورة الشعراء يدعو: ﴿وَٱغْفِرْ لِأَبِىٓ إِنَّهُۥ كَانَ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ﴾ [الشعراء: 86]. ثم بيّنت سورة التوبة كيف انتهى الأمر:

﴿وَمَا كَانَ ٱسْتِغْفَارُ إِبْرَٰهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُۥٓ أَنَّهُۥ عَدُوٌّ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ ۚ إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ لَأَوَّٰهٌ حَلِيمٌ ١١٤﴾
سورة التوبة · الآية 114

قال السعدي: استمر إبراهيم يستغفر لأبيه حتى تبيّن له أنه عدو لله لا ينفعه الاستغفار، فتركه وتبرأ منه. وفي سورة الممتحنة أن في إبراهيم أسوة حسنة للمؤمنين إلا في استغفاره لأبيه [الممتحنة: 4]، وفي التفسير الميسر أن ذلك إنما كان قبل أن يتبيّن له أن أباه عدو لله.

الكوكب والقمر والشمس

أثبت سيدنا إبراهيم لقومه أن ما يطلع ثم يغيب لا يصلح أن يكون ربًّا. وقد سجّلت سورة الأنعام هذه المناظرة:

﴿وَكَذَٰلِكَ نُرِىٓ إِبْرَٰهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ ٧٥ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلَّيْلُ رَءَا كَوْكَبًا ۖ قَالَ هَـٰذَا رَبِّى ۖ فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَآ أُحِبُّ ٱلْـَٔافِلِينَ ٧٦ فَلَمَّا رَءَا ٱلْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَـٰذَا رَبِّى ۖ فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِى رَبِّى لَأَكُونَنَّ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلضَّآلِّينَ ٧٧ فَلَمَّا رَءَا ٱلشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـٰذَا رَبِّى هَـٰذَآ أَكْبَرُ ۖ فَلَمَّآ أَفَلَتْ قَالَ يَـٰقَوْمِ إِنِّى بَرِىٓءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ ٧٨ إِنِّى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ حَنِيفًا ۖ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٧٩﴾
سورة الأنعام · الآيات 75–79

ما الذي كان يجري هنا؟ في التفسير الميسر أن إبراهيم لما أظلم عليه الليل ناظر قومه، وكانوا يعبدون النجوم، ليثبت لهم أن دينهم باطل. فلما قال «هذا ربي» كان مستدرجًا قومه ليُلزمهم بالتوحيد، لا معبّرًا عن اعتقاده. فلما غاب الكوكب قال: لا أحب الآلهة التي تغيب. وقال السعدي مثل ذلك: هذه مناظرة بين إبراهيم وقومه لبيان بطلان إلهية هذه الأجرام العلوية، وردّ القول بأنها كانت نظرًا من إبراهيم في صغره، وقال إنه لا دليل عليه.

وتتصاعد الحجة: يغيب الكوكب، ويطلع القمر أكبر وأنور ثم يغيب، وتطلع الشمس ﴿هَـٰذَآ أَكْبَرُ﴾ [الأنعام: 78] ثم تغيب هي أيضًا. فيلتفت إبراهيم إلى قومه بالنتيجة: ﴿يَـٰقَوْمِ إِنِّى بَرِىٓءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: 78]. وفسّر السعدي «حنيفًا» بأنه المقبل على الله وحده المعرض عمّن سواه.

«هل يسمعونكم إذ تدعون؟»

طلب سيدنا إبراهيم من قومه أن يختبروا آلهتهم بأسئلة بسيطة. وقد سجّلت سورة الشعراء الحوار:

﴿وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَٰهِيمَ ٦٩ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِۦ مَا تَعْبُدُونَ ٧٠ قَالُوا۟ نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَـٰكِفِينَ ٧١ قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ ٧٢ أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ ٧٣ قَالُوا۟ بَلْ وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا كَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ ٧٤﴾
سورة الشعراء · الآيات 69–74
﴿قَالَ أَفَرَءَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ ٧٥ أَنتُمْ وَءَابَآؤُكُمُ ٱلْأَقْدَمُونَ ٧٦ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّىٓ إِلَّا رَبَّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ٧٧﴾
سورة الشعراء · الآيات 75–77

هل يسمعونكم إذ تدعون؟ هل ينفعونكم أو يضرون؟ ولم يكن عند قومه إلا الجواب نفسه: وجدنا آباءنا كذلك يفعلون. فأعلن إبراهيم أن كل ما يعبدون عدوٌّ له، إلا رب العالمين. وفي سورة العنكبوت بيّن لهم سبب عبادة الأوثان أصلًا: ﴿إِنَّمَا ٱتَّخَذْتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَوْثَـٰنًا مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا﴾ [العنكبوت: 25]، رابطةٌ اجتماعية تنقلب يوم القيامة تلاعنًا.

ثم وصف إبراهيم الربَّ الذي يعبده، وكلماته درس كامل في معرفة الله:

﴿ٱلَّذِى خَلَقَنِى فَهُوَ يَهْدِينِ ٧٨ وَٱلَّذِى هُوَ يُطْعِمُنِى وَيَسْقِينِ ٧٩ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ٨٠ وَٱلَّذِى يُمِيتُنِى ثُمَّ يُحْيِينِ ٨١ وَٱلَّذِىٓ أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِى خَطِيٓـَٔتِى يَوْمَ ٱلدِّينِ ٨٢﴾
سورة الشعراء · الآيات 78–82

خلقني فهو يهدين، ويطعمني ويسقين، وإذا مرضت فهو يشفين، ويميتني ثم يحيين، وأطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين. كل جملة منها شيء لا تقدر عليه الأصنام أبدًا. ثم أتبعها بدعاء حفظه القرآن لنا: ﴿رَبِّ هَبْ لِى حُكْمًا وَأَلْحِقْنِى بِٱلصَّـٰلِحِينَ﴾ [الشعراء: 83]، وسأل ربه أن يجعل له لسان صدق في الآخرين [الشعراء: 84]، وقراءتنا لقصته اليوم هي بعض الجواب عن ذلك الدعاء.

لماذا حطّم إبراهيم الأصنام؟

حطّم سيدنا إبراهيم الأصنام ليرى قومه بأعينهم أن آلهتهم لا تدفع عن نفسها، فكيف تدفع عن غيرها. وقد أعلن عزمه أولًا:

﴿وَتَٱللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَـٰمَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّوا۟ مُدْبِرِينَ ٥٧ فَجَعَلَهُمْ جُذَٰذًا إِلَّا كَبِيرًا لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ ٥٨﴾
سورة الأنبياء · الآيات 57–58

وقال ابن كثير: إنما ترك كبيرها «لعلهم إليه يرجعون» فيسألوا عمّا جرى. وتخبرنا سورة الصافات كيف تخلّف عن قومه حين خرجوا:

﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِى ٱلنُّجُومِ ٨٨ فَقَالَ إِنِّى سَقِيمٌ ٨٩ فَتَوَلَّوْا۟ عَنْهُ مُدْبِرِينَ ٩٠ فَرَاغَ إِلَىٰٓ ءَالِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ ٩١ مَا لَكُمْ لَا تَنطِقُونَ ٩٢ فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًۢا بِٱلْيَمِينِ ٩٣﴾
سورة الصافات · الآيات 88–93

نظر إبراهيم نظرة في النجوم فقال: ﴿إِنِّى سَقِيمٌ﴾ [الصافات: 89]. وفي التفسير الميسر أنه نظر في النجوم على عادة قومه متفكرًا فيما يعتذر به عن الخروج معهم إلى أعيادهم، وأن قوله «إني سقيم» تعريضٌ منه لا كذب. وقال ابن كثير مثله: قالها ليخلو بأصنامهم، وليس هذا من باب الكذب الحقيقي الذي يُذمّ فاعله، بل من المعاريض لغرض ديني صحيح. وذكر ابن كثير أقوالًا في معنى «سقيم»: سقيم القلب من عبادتهم الأصنام، أو مصابٌ بما جعلهم يتركونه خلفهم.

فلما خلا بالأصنام خاطبها أولًا كما يزعم عابدوها: ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ [الصافات: 91]، ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنطِقُونَ﴾ [الصافات: 92]، ثم ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًۢا بِٱلْيَمِينِ﴾ [الصافات: 93]. وفي التفسير الميسر أنه أقبل عليها يضربها ويكسّرها بيده اليمنى ليثبت لقومه خطأ عبادتهم لها.

سيدنا إبراهيم من الخلف يرفع الفأس على صنم حجري في قاعة المعبد المغبرّة
سيدنا إبراهيم من الخلف يرفع الفأس على صنم حجري في قاعة المعبد المغبرّة
قصة سيدنا إبراهيمشاهد القصة في تطبيق قصصقصة سيدنا إبراهيملماذا حطّم إبراهيم الأصنام كلها إلا كبيرها؟افتح على Google Play ←

ومن أين جاء ذكر العيد؟ القرآن نفسه يقول فقط إنهم «تولّوا مدبرين» [الأنبياء: 57، الصافات: 90]. وذكر ابن كثير في روايةٍ أنه كان يوم عيد لهم. وحلقة التطبيق تسير على هذا القول، وهو قول معتبر في التفسير، لكن القرآن لم يسمّ المناسبة، ولا يتوقف عليها شيء من القصة.

«فاسألوهم إن كانوا ينطقون»

لما رجع القوم ووجدوا آلهتهم محطّمة، ردّ سيدنا إبراهيم سؤالهم عليهم. ويروي القرآن المشهد كأنك تراه:

﴿قَالُوا۟ مَن فَعَلَ هَـٰذَا بِـَٔالِهَتِنَآ إِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ ٥٩ قَالُوا۟ سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُۥٓ إِبْرَٰهِيمُ ٦٠ قَالُوا۟ فَأْتُوا۟ بِهِۦ عَلَىٰٓ أَعْيُنِ ٱلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ ٦١ قَالُوٓا۟ ءَأَنتَ فَعَلْتَ هَـٰذَا بِـَٔالِهَتِنَا يَـٰٓإِبْرَٰهِيمُ ٦٢ قَالَ بَلْ فَعَلَهُۥ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا فَسْـَٔلُوهُمْ إِن كَانُوا۟ يَنطِقُونَ ٦٣﴾
سورة الأنبياء · الآيات 59–63

من فعل هذا بآلهتنا؟ إنه لمن الظالمين! فتذكّر بعضهم فتًى كان يذكر الأصنام بسوء، ﴿فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُۥٓ إِبْرَٰهِيمُ﴾ [الأنبياء: 60]. وفي التفسير الميسر أنه قد تمّ لإبراهيم ما أراد من إظهار سفههم على مرأى منهم. فقرروا أن يأتوا به على أعين الناس ليشهدوا ما سيكون.

وجوابه مشهور: ﴿بَلْ فَعَلَهُۥ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا فَسْـَٔلُوهُمْ إِن كَانُوا۟ يَنطِقُونَ﴾ [الأنبياء: 63]. وفي التفسير الميسر أنه قال ذلك محتجًا عليهم معرّضًا بغباوتهم: الذي كسّرها هذا الصنم الكبير، فاسألوا آلهتكم المزعومة إن كانت تتكلم أو تردّ جوابًا. وقال ابن كثير: أراد إبراهيم أن يُقرّوا هم بأنفسهم أن هذه الأصنام لا تنطق. وذكر ابن كثير أيضًا أنه «قيل» إن إبراهيم وضع الآلة التي كسّر بها في يد الصنم الكبير، وساقه بصيغة الرواية لا بصيغة الجزم، والقرآن لم يذكره.

أما ما جرى في قلوبهم فسجّله القرآن بصدق موجع:

﴿فَرَجَعُوٓا۟ إِلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ فَقَالُوٓا۟ إِنَّكُمْ أَنتُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ ٦٤ ثُمَّ نُكِسُوا۟ عَلَىٰ رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَـٰٓؤُلَآءِ يَنطِقُونَ ٦٥ قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْـًٔا وَلَا يَضُرُّكُمْ ٦٦ أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ ۖ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ٦٧﴾
سورة الأنبياء · الآيات 64–67

لحظةً رجعوا إلى أنفسهم فقالوا: ﴿إِنَّكُمْ أَنتُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ﴾ [الأنبياء: 64]، ثم انتكسوا: لقد علمت ما هؤلاء ينطقون! وذلك هو الإقرار الذي كان إبراهيم ينتظره. فإن كنتم تعلمون أنها لا تنطق، أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئًا ولا يضركم؟ ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء: 67]. وفي سورة الصافات كلمته أشد: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾ [الصافات: 95]، والله خلقكم وما تعملون؟

الأصنام المحطّمة متناثرة على أرض المعبد، والصنم الأكبر وحده واقف لم يُمسّ
الأصنام المحطّمة متناثرة على أرض المعبد، والصنم الأكبر وحده واقف لم يُمسّ

«حرّقوه»: النار التي لم تحرق

لما لم يبق عند قوم إبراهيم حجة، لجؤوا إلى القوة وقرروا إحراقه. وقد سجّل القرآن قرارهم وجواب الله في آيتين يحفظهما كل طفل مسلم:

﴿قَالُوا۟ حَرِّقُوهُ وَٱنصُرُوٓا۟ ءَالِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَـٰعِلِينَ ٦٨ قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ ٦٩ وَأَرَادُوا۟ بِهِۦ كَيْدًا فَجَعَلْنَـٰهُمُ ٱلْأَخْسَرِينَ ٧٠﴾
سورة الأنبياء · الآيات 68–70

وقال السعدي: فانتصر الله لخليله لما ألقوه في النار، فلم ينله فيها أذى ولا أحسّ بمكروه. وقال في قوله «حرّقوه وانصروا آلهتكم»: لما أفحمهم ولم يبيّنوا حجة، استعملوا قوتهم في معاقبته، وأرادوا قتله بأشنع القتلات انتصارًا لآلهتهم، ثم عجب ممن يعبد إلهًا هو نفسه محتاج إلى نصرهم.

وتزيد سورة الصافات بيان كيف هُيّئت النار:

﴿قَالُوا۟ ٱبْنُوا۟ لَهُۥ بُنْيَـٰنًا فَأَلْقُوهُ فِى ٱلْجَحِيمِ ٩٧ فَأَرَادُوا۟ بِهِۦ كَيْدًا فَجَعَلْنَـٰهُمُ ٱلْأَسْفَلِينَ ٩٨﴾
سورة الصافات · الآيات 97–98

وفي سورة العنكبوت أن جواب قومه كان ﴿ٱقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ﴾ [العنكبوت: 24]، ﴿فَأَنجَىٰهُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلنَّارِ﴾ [العنكبوت: 24]، وأن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون.

سيدنا إبراهيم من الخلف على حافة النار العظيمة متوكلًا على الله وحده
سيدنا إبراهيم من الخلف على حافة النار العظيمة متوكلًا على الله وحده
قصة سيدنا إبراهيمشاهد القصة في تطبيق قصصقصة سيدنا إبراهيملماذا لم تحرق النار إبراهيم؟افتح على Google Play ←

ما لم يذكره القرآن عن النار

لم يذكر القرآن كم استغرق إعداد النار، ولا كم لبث إبراهيم فيها، ولا كيف أُلقي فيها، ولا كم كان عمره، ولا اسم المدينة. وقد ساق ابن كثير عند الآية 69 روايات متعددة، منها أنه لم ينتفع أحد بنار يومئذ، وأن النار لم تحرق إلا وثاقه، وأن ملَكًا كان معه فيها، وساقها بأسانيدها على أنها روايات لا على أنها حقائق ثابتة. أما قصة المنجنيق وجمع الحطب شهرًا فليست في القرآن أصلًا. وما أعطانا القرآن يكفي: نار، وأمر، ورجل خرج منها لأن الله جعلها عليه ﴿بَرْدًا وَسَلَـٰمًا﴾ [الأنبياء: 69]. وما نزيده على ذلك ليس علمًا.

لماذا لم تحرق النار إبراهيم؟

لم تحرق النار إبراهيم لأن الله الذي خلق النار وجعل فيها الإحراق أمرها أن تكون بردًا وسلامًا عليه، والنار تطيع خالقها لا طبعها. والتفسير الميسر يجمع الحادثة كلها في جملة: فانتصر الله لرسوله. ثم تخبرنا الآية التالية بمآل أعدائه: ﴿وَأَرَادُوا۟ بِهِۦ كَيْدًا فَجَعَلْنَـٰهُمُ ٱلْأَخْسَرِينَ﴾ [الأنبياء: 70]. قال السعدي: الأخسرين في الدنيا والآخرة، بخلاف خليل الله وأتباعه فهم الرابحون المفلحون.

الملك الذي حاجّ إبراهيم في ربه

واجه سيدنا إبراهيم أيضًا ملكًا جادله في ربه لأن الله آتاه الملك. وقد روتها سورة البقرة في آية واحدة:

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِى حَآجَّ إِبْرَٰهِـۧمَ فِى رَبِّهِۦٓ أَنْ ءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَٰهِـۧمُ رَبِّىَ ٱلَّذِى يُحْىِۦ وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا۠ أُحْىِۦ وَأُمِيتُ ۖ قَالَ إِبْرَٰهِـۧمُ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأْتِى بِٱلشَّمْسِ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ ٱلْمَغْرِبِ فَبُهِتَ ٱلَّذِى كَفَرَ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ ٢٥٨﴾
سورة البقرة · الآية 258

وذكر ابن كثير عن مجاهد وغيره أن هذا الملك هو النمرود ملك بابل، وساق نسبًا آخر بصيغة «قيل». أما القرآن فلم يسمّه، ولم يذكر أكان هذا الجدال قبل النار أم بعدها. فالاسم رواية تفسيرية، والعبرة لا تتوقف عليه: رجلٌ له سلطان ظن أن السلطان يجعله إلهًا، فأظهر له سؤال واحد من إبراهيم كم هو صغير.

الهجرة إلى الأرض المباركة وهبة إسحاق ويعقوب

بعد النار نجّى الله سيدنا إبراهيم ولوطًا إلى الأرض التي بارك فيها. تقول سورة الأنبياء:

﴿وَنَجَّيْنَـٰهُ وَلُوطًا إِلَى ٱلْأَرْضِ ٱلَّتِى بَـٰرَكْنَا فِيهَا لِلْعَـٰلَمِينَ ٧١ وَوَهَبْنَا لَهُۥٓ إِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً ۖ وَكُلًّا جَعَلْنَا صَـٰلِحِينَ ٧٢ وَجَعَلْنَـٰهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِمْ فِعْلَ ٱلْخَيْرَٰتِ وَإِقَامَ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِيتَآءَ ٱلزَّكَوٰةِ ۖ وَكَانُوا۟ لَنَا عَـٰبِدِينَ ٧٣﴾
سورة الأنبياء · الآيات 71–73

وتسجّل سورة العنكبوت كلمة إبراهيم في تلك اللحظة: ﴿إِنِّى مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّىٓ ۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ [العنكبوت: 26]، وفي التفسير الميسر أن لوطًا صدّق إبراهيم واتبع ملّته. وفي سورة الصافات يقول إبراهيم: ﴿إِنِّى ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّى سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات: 99].

ثم أعطاه الله ما يرجوه كل مؤمن يترك كل شيء لله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُۥٓ إِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ [الأنبياء: 72]. وتربط سورة مريم هذه الهبة باعتزاله قومه مباشرة: ﴿فَلَمَّا ٱعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَهَبْنَا لَهُۥٓ إِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ﴾ [مريم: 49]. وجعل الله في ذريته النبوة والكتاب [العنكبوت: 27]، ولذلك نسب القرآن إليه كثيرًا من الأنبياء بعده، منهم يعقوب ويوسف، وقد رويناها في مقال قصة سيدنا يوسف عليه السلام.

بقية قصة إبراهيم باختصار

روى القرآن فصولًا أخرى من حياة سيدنا إبراهيم، كلٌّ منها يستحق مقالًا. جاءته الملائكة ضيوفًا مكرمين وبشّروه بغلام عليم وهو وزوجه شيخان [هود: 69-73، الحجر: 51-56، الذاريات: 24-30]، وجادلهم في قوم لوط [هود: 74-76]. وابتلاه ربه بكلمات فأتمّهن، فجعله للناس إمامًا [البقرة: 124]. ورفع القواعد من البيت مع ابنه إسماعيل داعيًا: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ﴾ [البقرة: 127]، ودعا لمكة ولذريته عند البيت المحرّم [إبراهيم: 35-37]. وأُمر في المنام بذبح ابنه فأسلما معًا، وقد رويناها في مقال الصبر في قصص الأنبياء. وسأل ربه أن يريه كيف يحيي الموتى فأعطاه آية الطيور الأربعة [البقرة: 260].

ويجري في ذلك كله خيطٌ واحد: ﴿إِذْ قَالَ لَهُۥ رَبُّهُۥٓ أَسْلِمْ ۖ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ [البقرة: 131].

أحداث قصة إبراهيم والأصنام والنار بالترتيب

المرحلةما حدثالآيات
الرشديؤتي الله إبراهيم رشده وهو فتىالأنبياء 51
السؤاليسأل أباه وقومه عن التماثيلالأنبياء 52-56، الشعراء 70-74
أبوهدعوة آزر برفق، وتهديده بالرجم، و«سلام عليك»الأنعام 74، مريم 41-48
الكوكب والقمر والشمسمناظرة عبّاد النجوم: «إني بريء مما تشركون»الأنعام 75-79
وصف ربهالذي خلق وأطعم وشفى ويميت ويحيي ويغفرالشعراء 75-82
القسم«لأكيدنّ أصنامكم بعد أن تولّوا مدبرين»الأنبياء 57
التخلّفينظر في النجوم ويقول «إني سقيم»الصافات 88-90
التحطيميكسّرها إلا كبيرها ضربًا باليمينالأنبياء 58، الصافات 91-93
المحاكمة«من فعل هذا؟» «فاسألوهم إن كانوا ينطقون»الأنبياء 59-67، الصافات 94-96
النار«حرّقوه»، «يا نار كوني بردًا وسلامًا»الأنبياء 68-70، الصافات 97-98، العنكبوت 24
الملك«ربي الذي يحيي ويميت»، والشمس من المغربالبقرة 258
الهجرةالنجاة مع لوط إلى الأرض المباركةالأنبياء 71، العنكبوت 26، الصافات 99
الهبةإسحاق ويعقوب، والنبوة في ذريتهالأنبياء 72-73، مريم 49، العنكبوت 27

دروس وعبر من قصة سيدنا إبراهيم

  1. الحق يُطلب ولا يُورَث. لم يكن لقومه حجة إلا «وجدنا آباءنا» [الأنبياء: 53، الشعراء: 74]، ونبّه ابن كثير إلى أنه دليلهم الوحيد. فالعادة لا تصير حقًّا لأنها قديمة.
  2. اسأل. كان منهج إبراهيم كله أسئلة: ما هذه؟ هل يسمعونكم؟ لمَ تعبد ما لا يبصر؟ وسمّاها القرآن ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَـٰهَآ إِبْرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِۦ﴾ [الأنعام: 83].
  3. الرفق بالوالدين حتى في الخلاف. أربع مرات «يا أبتِ»، و«سلام عليك» جوابًا على التهديد [مريم: 42-47]، ومنها استنبط السعدي آداب الدعوة.
  4. ما يغيب لا يكون ربًّا. حجة الكوكب والقمر والشمس [الأنعام: 76-78] درس في الاستدلال بالمخلوق على الخالق.
  5. أثبِت ولا تكتفِ بالقول. لم يقل إبراهيم لقومه إن الأصنام عاجزة فحسب، بل جعلهم يرونه بأعينهم [الأنبياء: 58، 63].
  6. لا تخف إلا الله. ﴿فَأَىُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِٱلْأَمْنِ﴾ [الأنعام: 81]: من يعبد الخالق أم من يعبد ما لا يضر ولا ينفع؟
  7. النار تطيع خالقها. أشهر درس في القصة: أمر الله فوق كل سبب [الأنبياء: 69]. وفي الميسر: فانتصر الله لرسوله.
  8. الكائد يصير الخاسر. أرادوا أن يجعلوه عبرة فصاروا هم العبرة [الأنبياء: 70، الصافات: 98].
  9. الهجرة لله لا تكون خسارة. بعد الهجرة جاء إسحاق ويعقوب وسلسلة الأنبياء [مريم: 49، الأنبياء: 72].
  10. القلب السليم هو الغاية. جاء إبراهيم ربه ﴿بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الصافات: 84]، ودعا ألا ينفع يومئذ إلا ﴿مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: 89].

كيف نحكي قصة إبراهيم للأطفال؟

يحب الأطفال قصة سيدنا إبراهيم لأن في قلبها سؤالًا واضحًا: هل يمكن أن يكون التمثال إلهًا؟ ابدأ من هناك. اسأل طفلك: لو صنعتُ شيئًا بيدي، هل يسمعني؟ هل يستطيع أن يساعدني؟ ثم احكِ له عن الفتى الذي سأل مدينته كلها هذا السؤال.

واحتفظ بالمشاهد الثلاثة التي ذكرها القرآن. الأول: إبراهيم يسأل أباه وقومه عن التماثيل، فلا يجدون إلا «آباؤنا فعلوا ذلك». الثاني: حين خرج الجميع كسّر الأصنام وترك أكبرها، حتى إذا رجعوا قال لهم: اسألوه إن كان ينطق. الثالث: النار؛ بنوها وألقوه فيها، فقال الله للنار كوني بردًا وسلامًا، فأطاعت.

والتزم بما قاله القرآن. لا حاجة إلى منجنيق ولا اسم ملك ولا عدد أيام في النار. وإذا سأل طفلك: كم بقي في النار؟ فالجواب الصادق أن القرآن لم يخبرنا، وأن المهم أنها لم تحرقه لأن الله أمرها.

واختم بالعبرة في جملة واحدة: توكّل إبراهيم على الله وحده فحفظه الله. وفي تطبيق قصص حلقتان قصيرتان، «إبراهيم والأصنام» و«إبراهيم والنار»، يشاهدهما الطفل ثم يقرؤهما صفحةً صفحة، مع الآية على الشاشة واختبار قصير في النهاية. وللدرس نفسه في التوكل على الله اقرأ قصة سيدنا نوح والسفينة.

شاهد قصة إبراهيم واقرأها في تطبيق قصص

تطبيق قصص تطبيق قصص الأنبياء مجاني بلا إعلانات ولا حساب. وحلقتا إبراهيم، «إبراهيم والأصنام» و«إبراهيم والنار»، مرويّتان من الآيات التي قرأتها أعلاه فقط، بمشاهد بلا وجوه ونص القرآن على الشاشة، ويمكن مشاهدة كل منهما أو قراءتها صفحةً صفحة مع اختبار. وفي التطبيق مصحف كامل بالتلاوة والتفسير الميسر وتفسير ابن كثير والترجمة والكلمة بكلمة، فتستطيع أن تفتح سورة الأنبياء من الآية 51 إلى 73 وتقرأ تفسير كل آية في هذا المقال بنفسك. ومعها مواقيت الصلاة بالأذان، وبوصلة القبلة، والمسبحة ثلاثية الأبعاد، والأذكار. التطبيق متاح على Google Play، ونسخة آيفون قريبًا.

أسئلة شائعة

لماذا حطّم سيدنا إبراهيم الأصنام؟

حطّمها ليرى قومه أن آلهتهم لا تدفع عن نفسها، فتقوم عليهم الحجة. وفي التفسير الميسر عند الآية 58 من سورة الأنبياء أنه ترك كبيرها كي يرجع القوم إليه ويسألوه فيتبيّن عجزهم وضلالهم.

لماذا لم تحرق النار سيدنا إبراهيم؟

لأن الله أمرها: ﴿يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ [الأنبياء: 69]، والنار تطيع خالقها لا طبعها. وفي التفسير الميسر أن الله انتصر لرسوله فلم ينله فيها أذى ولم يصبه مكروه. ولم يذكر القرآن كم لبث فيها.

من هو أبو سيدنا إبراهيم؟

سمّاه القرآن آزر في سورة الأنعام [74]، حين قال له إبراهيم: أتتخذ أصنامًا آلهة؟ ولم يذكر القرآن عنه شيئًا آخر. وقد استغفر له إبراهيم حتى تبيّن له أنه عدو لله فتبرأ منه [التوبة: 114].

هل اعتقد إبراهيم حقًّا أن الكوكب والقمر والشمس ربّه؟

لا. فالتفسير الميسر والسعدي يفسّران آيات الأنعام 76-78 بأنها مناظرة لقومه الذين كانوا يعبدون النجوم، قال «هذا ربي» مستدرجًا لهم ليصلوا إلى أن ما يغيب لا يكون ربًّا. وردّ السعدي القول بأنه نظرٌ منه في صغره وقال إنه لا دليل عليه.

هل كذب إبراهيم حين قال «إني سقيم»؟

لا. فابن كثير والتفسير الميسر يفسّران قوله في سورة الصافات [89] بأنه تعريض لغرض ديني صحيح، لا كذب يُذمّ. قاله ليتخلف عن قومه ويكسّر الأصنام.

من هو الملك الذي حاجّ إبراهيم في ربه؟

لم يسمّه القرآن، وإنما قال إنه حاجّ إبراهيم لأن الله آتاه الملك [البقرة: 258]. وذكر ابن كثير عن مجاهد وغيره أنه النمرود ملك بابل. والعبرة لا تتوقف على الاسم: ادّعى الملك أنه يحيي ويميت، فأفحمه إبراهيم بأن يأتي بالشمس من المغرب.

إلى أين ذهب إبراهيم بعد النار؟

نجّاه الله ولوطًا «إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين» [الأنبياء: 71]. وفي التفسير الميسر أنها أرض الشام التي بارك الله فيها بكثرة الخيرات وفيها أكثر الأنبياء. وهناك وهبه الله إسحاق ويعقوب [الأنبياء: 72].

لماذا سُمّي إبراهيم خليل الله؟

لأن الله قال: ﴿وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرَٰهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: 125]. وفي التفسير الميسر أن الآية تثبت صفة الخُلّة لله تعالى، وهي أعلى مقامات المحبة والاصطفاء، وأن الله اصطفى إبراهيم من بين سائر خلقه.

المصادر

القرآن الكريم: سورة الأنبياء 51-73، سورة الأنعام 74-83، سورة مريم 41-50، سورة الشعراء 69-89، سورة الصافات 83-99، سورة العنكبوت 16-27، سورة البقرة 124-131 و258 و260، سورة التوبة 114، سورة النحل 120-123، سورة النساء 125، سورة هود 69-76، سورة الممتحنة 4. التفسير: التفسير الميسر؛ تفسير ابن كثير (الأنبياء 51-70، الصافات 89، البقرة 258)؛ تيسير الكريم الرحمن للسعدي (الأنعام 76-79، مريم 47، الأنبياء 68-70).

آخر تحديث: · بقلم فريق قصص

مجاني · بدون إعلانات · بدون حساب

شاهد القصة واقرأها في قصص

متوفر الآن على أندرويد. نسخة الآيفون قيد المراجعة من آبل وستصل قريباً جداً.

متوفر علىGoogle Playقريباً علىApp Store
QR code: QASAS on Google Playامسح الرمز بهاتفك الأندرويد للتحميل مباشرة

شاهد هذه القصص في التطبيق

اقرأ أيضاً