قصة موسى والخضر هي ثالثة قصص سورة الكهف الأربع، رواها القرآن الكريم في ثلاثٍ وعشرين آية، من الآية 60 إلى الآية 82. وهي قصةٌ لا تشبه سائر قصص موسى عليه السلام في القرآن: لا فرعون فيها ولا بحرٌ ينفلق ولا قومٌ يقودهم، بل نبيٌّ يقطع مسافةً طويلة ليجلس بين يدي معلّم، ومعلّمٌ يبدو كل فعلٍ من أفعاله منكرًا حتى يُكشف تأويله.
وتدور القصة كلها حول جملةٍ واحدة قالها الخضر قبل أن يقع شيء: ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِۦ خُبْرًا﴾
[الكهف: 68]. فكل ما رآه موسى بعدها، السفينة والغلام والجدار، امتحانٌ لهذه الجملة، والتأويل في آخر القصة جوابها.
نسير في هذا المقال مع الآيات بترتيبها، ونشرحها بما قاله أئمة التفسير المعتمدون: ابن كثير، والطبري، والسعدي، والتفسير الميسر، ونجيب عن أكثر ما يسأل عنه الناس: من هو الخضر، وهل كان نبيًّا، ولماذا خرق السفينة، ولماذا قتل الغلام، وماذا كان تحت الجدار، وما الدروس من القصة. وما سكت عنه القرآن والتفسير نصرّح بأنه غير معلوم ونقف عنده.
لماذا رحل موسى إلى الخضر؟
رحل موسى عليه السلام لأنه أُخبر بعبدٍ من عباد الله عنده علمٌ ليس عنده، فعزم أن يتعلّمه منه. هكذا شرح التفسير الميسر الآية الأولى: سار موسى «حتى أصل إلى العبد الصالح؛ لأتعلم منه ما ليس عندي من العلم». وافتتح السعدي تفسيره للآية نفسها بقوله: يخبر تعالى عن نبيه موسى عليه السلام «وشدة رغبته في الخير وطلب العلم».
﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَىٰهُ لَآ أَبْرَحُ حَتَّىٰٓ أَبْلُغَ مَجْمَعَ ٱلْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِىَ حُقُبًا ٦٠﴾ولم يذكر القرآن هنا كيف علم موسى بهذا العبد، وقد نقل ابن كثير من الروايات الصحيحة التي يعتمدها أن موسى أُخبر بأن عبدًا من عباد الله عند مجمع البحرين عنده علمٌ ليس عنده، فاختار أن يرحل إليه. ولا نحتاج إلى أكثر من هذا، والآية نفسها تحمل العبرة: نبيٌّ من أعظم الرسل يقول ﴿لَآ أَبْرَحُ حَتَّىٰٓ أَبْلُغَ مَجْمَعَ ٱلْبَحْرَيْنِ﴾
[الكهف: 60]. قال السعدي: «وهذا عزم منه جازم، فلذلك أمضاه».
و«الحُقُب» الزمن الطويل. وقد نقل الطبري أقوال السلف في مقداره، فمنهم من قال دهرًا، ومنهم من قال زمانًا، ومنهم من قال سبعين سنة أو ثمانين، وكلها تتفق على أنه مدةٌ طويلة. فكأن موسى يقول: سأمشي مهما طال الطريق.
أما «فتى موسى» فلم يسمّه القرآن، وسمّاه الطبري وابن كثير والتفسير الميسر يوشع بن نون اتّباعًا لما رووه. وسمّاه القرآن «فتاه» فحسب، والقصة لا تتوقف على اسمه.
الحوت والصخرة
كانت العلامة التي يعرف بها موسى أنه بلغ المكان حوتًا: فإذا دبّت فيه الحياة وانسرب في البحر فقد جاوزا الموضع وعليهما أن يرجعا.
﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُۥ فِى ٱلْبَحْرِ سَرَبًا ٦١ فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَىٰهُ ءَاتِنَا غَدَآءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَـٰذَا نَصَبًا ٦٢ قَالَ أَرَءَيْتَ إِذْ أَوَيْنَآ إِلَى ٱلصَّخْرَةِ فَإِنِّى نَسِيتُ ٱلْحُوتَ وَمَآ أَنسَىٰنِيهُ إِلَّا ٱلشَّيْطَـٰنُ أَنْ أَذْكُرَهُۥ ۚ وَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُۥ فِى ٱلْبَحْرِ عَجَبًا ٦٣ قَالَ ذَٰلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ ۚ فَٱرْتَدَّا عَلَىٰٓ ءَاثَارِهِمَا قَصَصًا ٦٤﴾قال التفسير الميسر: نسيا حوتهما «الذي أُمر موسى بأخذه معه قوتًا لهما»، فلما وصلا مجمع البحرين جلسا عند صخرة، «فإذا الحوت يصبح حيًّا وينحدر في البحر، ويتخذ له فيه طريقًا مفتوحًا». ثم مضيا حتى أحسّ موسى بالتعب والجوع فطلب الغداء، فعندها تذكّر الفتى وقال: ﴿وَمَآ أَنسَىٰنِيهُ إِلَّا ٱلشَّيْطَـٰنُ﴾
[الكهف: 63].
وزاد ابن كثير من الروايات أن ماء العين التي عند الصخرة أصاب الحوت فحيي، وأن الحوت اتخذ له في الماء مسلكًا كالسَّرَب. فلما سمع موسى الخبر قال على الفور: ﴿ذَٰلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ﴾
[الكهف: 64]، قال التفسير الميسر: «فإنه علامة لي على مكان العبد الصالح»، فرجعا يقصّان آثار مشيهما حتى انتهيا إلى الصخرة.
ويلفت المفسرون إلى أمرين صغيرين في هذا المشهد. الأول أن الفتى نسب النسيان إلى الشيطان، وعدّ السعدي من فوائد القصة أن الشر وأسبابه تُضاف إلى الشيطان ووسوسته، مع أن الكل بقضاء الله وقدره. والثاني أن موسى صرّح بأنه لقي من سفره نصبًا، وقال السعدي إن الإخبار بما يجده الإنسان من تعبٍ أو جوع جائز إذا كان صدقًا ولم يكن على وجه التسخّط.
من هو الخضر؟
الخضر عبدٌ صالح من عباد الله، آتاه الله رحمةً خاصة من عنده، وعلّمه من لدنه علمًا. هذا كل ما ذكره القرآن عنه، ولم يذكر القرآن اسمه أصلًا.
﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَآ ءَاتَيْنَـٰهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَـٰهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا ٦٥﴾واسم «الخضر» جاء في الروايات الصحيحة، وبه سمّاه جميع المفسرين المعتمدين. قال السعدي: آتاه الله «رحمة خاصة» زاده بها علمًا وحسن عمل، وعلّمه علمًا من عنده. ثم ذكر السعدي أمرًا دقيقًا يغفل عنه كثيرون: الخضر أُعطي علمًا بأشياء لم يُعطها موسى، لكن موسى أعلم منه في أكثر الأمور، ولا سيما في الإيمان وأصول الدين، لأنه من أولي العزم من الرسل. فليس في القصة أن الخضر أفضل من موسى، بل أن كلًّا منهما عنده من علم الله ما ليس عند الآخر، وبهذا شرح ابن كثير تحذير الخضر لموسى: كلٌّ منهما أُعطي من العلم ما لم يُعطه صاحبه، وكلٌّ منهما مكلَّفٌ بما لم يُكلَّف به الآخر.
هل الخضر نبي؟
اختلف أهل التفسير في نبوة الخضر، ولم يحسم القرآن المسألة. فالتفسير الميسر يقول صراحةً إنه «نبي من أنبياء الله». وابن كثير يذكر الآية 65 وقوله في آخر القصة ﴿وَمَا فَعَلْتُهُۥ عَنْ أَمْرِى﴾
[الكهف: 82] دليلًا لمن قال بنبوته، لأن قتل الغلام وخرق السفينة لا يكونان إلا بأمرٍ من الله. أما السعدي فذهب إلى أنه كان «عبدًا صالحًا لا نبيًّا على الصحيح»، وأن قوله «وما فعلته عن أمري» يدل على الإلهام لا على النبوة.
والقولان لعلماء نثق بهم، والعبرة واحدة على القولين: ما فعله الخضر فعله بأمر الله وعلمه، لا برأيه ولا من تلقاء نفسه.
ويسأل الناس أيضًا: هل الخضر حيٌّ إلى اليوم؟ القرآن لم يذكر عن ذلك شيئًا، والتفسير الميسر في شرح الآية 65 يصفه بأنه نبيٌّ «توفاه الله». وهذا القدر يكفي القارئ المتثبّت.
الشرط: لا تسألني حتى أحدث لك ذكرًا
طلب موسى أن يتبع الخضر بألطف ما يطلب به تلميذ، فوافق الخضر على شرطٍ واحد: ألّا يسأله عن شيءٍ حتى يبيّنه له بنفسه.
﴿قَالَ لَهُۥ مُوسَىٰ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰٓ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا ٦٦ قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا ٦٧ وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِۦ خُبْرًا ٦٨ قَالَ سَتَجِدُنِىٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ صَابِرًا وَلَآ أَعْصِى لَكَ أَمْرًا ٦٩ قَالَ فَإِنِ ٱتَّبَعْتَنِى فَلَا تَسْـَٔلْنِى عَن شَىْءٍ حَتَّىٰٓ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا ٧٠﴾قال ابن كثير في قول موسى ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰٓ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾
[الكهف: 66]: سؤالٌ بتلطّفٍ لا على وجه الإلزام، وهكذا ينبغي أن يكون سؤال المتعلم للعالم. وشرح السعدي مقصد موسى: أن يعلّمه مما علّمه الله ما يسترشد به ويعرف به الحق.
ولم يكن جواب الخضر رفضًا بل تشخيصًا: ﴿إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا﴾
[الكهف: 67]. قال السعدي: لأنك ترى ما لا تقدر على الصبر عليه، أمورًا ظاهرها منكر وباطنها ليس كذلك. ثم ذكر الخضر السبب، وهو الجملة التي بُنيت عليها القصة: كيف تصبر على ما لم تحط به خبرًا؟
ووعد موسى كما ينبغي للمؤمن أن يعد: ﴿سَتَجِدُنِىٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ صَابِرًا﴾
[الكهف: 69]، ولا أعصي لك أمرًا. وعدّ السعدي من فوائد القصة تعليق الأفعال المستقبلة بمشيئة الله، وأن العزم على الشيء غير فعله. فقبل الخضر ووضع الشرط: لا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرًا. قال التفسير الميسر: «فلا تسألني عن شيء تنكره، حتى أبيِّن لك من أمره ما خفي عليك دون سؤال منك».
الفعل الأول: السفينة
أول ما فعله الخضر أن خرق سفينةً حملهما أهلها بغير أجر، فلم يملك موسى أن يسكت.
﴿فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَا رَكِبَا فِى ٱلسَّفِينَةِ خَرَقَهَا ۖ قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْـًٔا إِمْرًا ٧١ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا ٧٢ قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِى بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِى مِنْ أَمْرِى عُسْرًا ٧٣﴾وصف التفسير الميسر المشهد: مشيا على الساحل، فمرّت بهما سفينة، فطلبا من أهلها أن يركبا معهم، فلما ركبا «قَلَعَ الخَضِر لوحًا من السفينة فخرقها». وقال السعدي مثله: «اقتلع الخضر منها لوحًا»، وشرح إنكار موسى بأن الفعل في ظاهره «عيب للسفينة، وسبب لغرق أهلها». فقال موسى: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْـًٔا إِمْرًا﴾
[الكهف: 71]. ونقل ابن كثير في «الإمر» قولين عن السلف: الشيء المنكر، والشيء العجيب، وقال السعدي: «أي: عظيمًا شنيعًا».

ونبّه ابن كثير إلى لطيفةٍ في اللغة تهمّ المعنى: لم يتّهم موسى الخضرَ بأنه قصد إغراق أحد، بل قوله «لتغرق أهلها» على معنى أن الغرق عاقبة الفعل لا غايته. فحتى في إنكاره كان موسى دقيقًا.
فذكّره الخضر بالشرط، فاعتذر موسى: ﴿لَا تُؤَاخِذْنِى بِمَا نَسِيتُ﴾
[الكهف: 73]. قال التفسير الميسر: لا تؤاخذني بنسياني شرطك عليّ، ولا تكلّفني مشقةً في تعلّمي منك، وعاملني بيسرٍ ورفق. وذكر ابن كثير أن هذا الإنكار الأول كان نسيانًا، وعدّ السعدي من فوائد القصة أن الناسي لا يؤاخذ بنسيانه.
الفعل الثاني: الغلام
ثاني ما فعله الخضر أن قتل غلامًا، فأنكر موسى هذه المرة إنكارًا أشد، لأن طفلًا لم يؤذِ أحدًا قد قُتل.
﴿فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَا لَقِيَا غُلَـٰمًا فَقَتَلَهُۥ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةًۢ بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْـًٔا نُّكْرًا ٧٤ ۞ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا ٧٥ قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَىْءٍۭ بَعْدَهَا فَلَا تُصَـٰحِبْنِى ۖ قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّى عُذْرًا ٧٦﴾قال التفسير الميسر: خرجا من السفينة، فبينما هما يمشيان على الساحل «إذ أبصرا غلامًا يلعب مع الغلمان، فقتله الخَضِر». فكان إنكار موسى حادًّا: ﴿لَّقَدْ جِئْتَ شَيْـًٔا نُّكْرًا﴾
[الكهف: 74]. وشرح ابن كثير ألفاظ الآية: النفس الزكية هي الصغير الذي لم يعمل ذنبًا، و«بغير نفس» أي بغير قتلٍ يوجب القصاص، و«النُّكر» الأمر البيّن المنكر. وقال السعدي: أخذت موسى الحميّة الدينية لأن صغيرًا لا ذنب له قد قُتل، وفرّق بين الإنكارين: الأول كان نسيانًا، وهذا لم يكن نسيانًا بل عدم صبر.
فأعاد الخضر تذكيره، فقطع موسى على نفسه الوعد الذي سينهي الصحبة: ﴿قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّى عُذْرًا﴾
[الكهف: 76]. قال التفسير الميسر: إن سألتك عن شيء بعد هذه المرة فاتركني ولا تصاحبني، «قد بلغتَ العذر في شأني ولم تقصر». ولخّصه ابن كثير بأن موسى يقول إنك قد عُذرت مني مرتين.
وهنا موضع تثبّت. لم يذكر القرآن للغلام اسمًا ولا سنًّا غير أنه «غلام» ولا بلدًا. وسبب قتله يأتي بعد ذلك على لسان الخضر نفسه، وسنتناوله في موضعه. والتفسير واضح في أن إنكار موسى كان حقًّا بكل مقياسٍ أُعطيه موسى، وأن القصة لا تعلّم أحدًا أن يفعل ما فعله الخضر. وقد نصّ السعدي في فوائد القصة على أن الأحكام في الدنيا تجري على الظاهر، وأن إنكار موسى كان من هذا الباب، وأن القتل من أكبر الكبائر.
الفعل الثالث: الجدار
كان الفعل الثالث أغربها: في قريةٍ أبى أهلها أن يطعموهما، أقام الخضر جدارًا يريد أن ينقضّ ولم يطلب عليه أجرًا.
﴿فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَآ أَتَيَآ أَهْلَ قَرْيَةٍ ٱسْتَطْعَمَآ أَهْلَهَا فَأَبَوْا۟ أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُۥ ۖ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا ٧٧﴾قال التفسير الميسر: طلبا من أهل القرية طعامًا على سبيل الضيافة، فامتنعوا، فوجدا فيها «حائطًا مائلًا يوشك أن يسقط، فعدَّل الخَضِر مَيْلَه حتى صار مستويًا». وقال ابن كثير إنه أقامه بيده، وعدّ ذلك من خوارق العادة. وكان تعليق موسى هذه المرة ملاحظةً معقولة لا اتهامًا: لو شئت لاتخذت عليه أجرًا. قال التفسير الميسر: «أجرًا تصرفه في تحصيل طعامنا حيث لم يضيفونا».

وقد سمّى ابن كثير القرية من روايةٍ نقلها، لكن القرآن نفسه لم يسمّها. وعدّ السعدي من فوائد القصة أدبًا في معاملة البخلاء: أن يُؤخذ من الناس ما سمحت به أنفسهم ولا يُثقل عليهم. ومع ذلك بنى الخضر جدارهم.
الفراق والتأويل
أجاب الخضر عن السؤال الثالث بالكلمة التي أنهت الرحلة، ثم بيّن تأويل الأفعال الثلاثة.
﴿قَالَ هَـٰذَا فِرَاقُ بَيْنِى وَبَيْنِكَ ۚ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا ٧٨﴾قال السعدي في الفراق: «فإنك شرطت ذلك على نفسك، فلم يبق الآن عذر، ولا موضع للصحبة». وقوله «سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرًا» أي، كما قال السعدي، سأخبرك بما أنكرت عليّ وما لي في ذلك من المقاصد وما يؤول إليه الأمر.
شاهد القصة في تطبيق قصصقصة موسى والخضر3 أفعال صدمت موسى… ثم كشف الخضر السرّ! 😳افتح على Google Play ←السفينة: عيبٌ نجّاها
﴿أَمَّا ٱلسَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَـٰكِينَ يَعْمَلُونَ فِى ٱلْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا ٧٩﴾فالسفينة ﴿فَكَانَتْ لِمَسَـٰكِينَ يَعْمَلُونَ فِى ٱلْبَحْرِ﴾
[الكهف: 79]، وأمامهم ملكٌ يأخذ كل سفينةٍ صالحة غصبًا. قال السعدي: ذكر المساكين «يقتضي ذلك الرقة عليهم، والرأفة بهم»، وشرح المنطق كله في جملة: «فأردت أن أخرقها ليكون فيها عيب، فتسلم من ذلك الظالم». وقال ابن كثير: أراد أن يعيبها لتبقى بأيدي أصحابها المساكين الذين لا يملكون غيرها فينتفعوا بها. فما بدا تخريبًا كان السبيل الوحيد لنجاتها.
الغلام: رحمةٌ بأبويه
﴿وَأَمَّا ٱلْغُلَـٰمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَآ أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَـٰنًا وَكُفْرًا ٨٠ فَأَرَدْنَآ أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَوٰةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا ٨١﴾وقال ابن كثير في «فخشينا» مثل ذلك: أن تحمل محبتهما له على متابعته في الكفر. ونقل عن قتادة: فرح به أبواه حين وُلد، وحزنا عليه حين قُتل، ولو بقي لكان فيه هلاكهما، فليرضَ المؤمن بقضاء الله. ثم استشهد ابن كثير بآية سورة البقرة في أن المرء قد يكره الشيء وهو خيرٌ له.
ثم الوعد: ﴿خَيْرًا مِّنْهُ زَكَوٰةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾
[الكهف: 81]. قال التفسير الميسر: «فأردنا أن يُبْدِل الله أبويه بمن هو خير منه صلاحًا ودينًا وبرًا بهما». ونقل ابن كثير عن ابن جريج أنه ولدٌ خيرٌ منه يكونان عليه أرحم. ولم يخبرنا القرآن من هذا الولد، ولم يُثبت ذلك التفسير الذي نعتمده، فنقف عنده.
الجدار: كنزٌ لغلامين يتيمين
﴿وَأَمَّا ٱلْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَـٰمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِى ٱلْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُۥ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَـٰلِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَآ أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ۚ وَمَا فَعَلْتُهُۥ عَنْ أَمْرِى ۚ ذَٰلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا ٨٢﴾كان الجدار لغلامين يتيمين، وتحته كنزٌ لهما، ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَـٰلِحًا﴾
[الكهف: 82]. وقد ذكر التفسير الميسر أن الكنز «من الذهب والفضة». ونقل الطبري أقوال السلف فيه: فمنهم من قال كنز علم أو صحف فيها علم، ومنهم من قال كنز مال، ثم رجّح أنه مالٌ مدفون، لأن الكنز في كلام العرب هو المال المكنوز، والتأويل يُحمل على الأغلب من كلام من نزل القرآن بلسانهم ما لم يصرف عنه صارف. وانتهى ابن كثير إلى المعنى نفسه نقلًا عن عكرمة وقتادة: مالٌ مدفونٌ لهما، وقال إن السياق يدل عليه.
وفي ذكر الأب الصالح واحدٌ من أحبّ دروس القصة إلى القلوب. قال ابن كثير: الرجل الصالح يُحفظ في ذريته، وتشمل بركة عبادته لهم في الدنيا والآخرة. ونقل الطبري الأثر: «حُفظا بصلاح أبيهما، وما ذُكر منهما صلاح». وجعله السعدي فائدةً من فوائد القصة: أن الله يحفظ الصالح في ذريته.
«وما فعلته عن أمري»
آخر جملةٍ في القصة مفتاحها: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُۥ عَنْ أَمْرِى﴾
[الكهف: 82]. قال التفسير الميسر: «وما فعلتُ يا موسى جميع الذي رأيتَني فعلتُه عن أمري ومن تلقاء نفسي، وإنما فعلته عن أمر الله». وقال ابن كثير: هذه الأفعال الثلاثة من رحمة الله بمن وقعت لهم، وإنما أُمر الخضر بها.
ويلفت المفسرون إلى اختلاف العبارة في الأفعال الثلاثة. ففي السفينة قال: «فأردت أن أعيبها»، وفي الغلام: «فأردنا»، وفي الجدار: «فأراد ربك». قال ابن كثير في الأخيرة: لأن بلوغهما أشدّهما لا يقدر عليه إلا الله، فأُسندت الإرادة إليه. واستخرج السعدي منها أدبًا: نسب الخضر العيب إلى نفسه والخير إلى الله، وهذا من الأدب مع الله في العبارة.
أحداث قصة موسى والخضر بالترتيب
| المرحلة | ما يحدث | الآيات |
|---|---|---|
| العزم | يخرج موسى مع فتاه قاصدًا مجمع البحرين | 18:60 |
| الحوت | يحيا الحوت عند الصخرة وينسرب في البحر، فيرجعان | 18:61-64 |
| اللقاء | يجدان عبدًا آتاه الله رحمةً وعلمًا من لدنه | 18:65 |
| الشرط | يطلب موسى الاتباع، فيحذّره الخضر من قلة الصبر ويشترط ألّا يسأل | 18:66-70 |
| السفينة | يخرق الخضر السفينة، فينكر موسى ثم يعتذر بالنسيان | 18:71-73 |
| الغلام | يقتل الخضر غلامًا، فينكر موسى ويعد ألّا يسأل بعدها | 18:74-76 |
| الجدار | تبخل قريةٌ عليهما، فيقيم الخضر جدارًا بلا أجر، فيعلّق موسى | 18:77 |
| الفراق | «هذا فراق بيني وبينك» | 18:78 |
| التأويل | السفينة والغلام والجدار، ثم «وما فعلته عن أمري» | 18:79-82 |
دروس وعبر من قصة موسى والخضر
ختم السعدي تفسيره للآية 82 بقائمةٍ طويلة من الفوائد المستنبطة من القصة، والدروس الآتية مأخوذة من تلك القائمة ومن الآيات نفسها.
- العلم يستحق الرحلة. أول فوائد السعدي فضيلة العلم والرحلة في طلبه، وعدّه من أهم الأمور. نبيٌّ مشى مهما طال الطريق.
- المتعلم يخاطب معلّمه بلطف. سأل موسى «هل أتبعك»، وقال ابن كثير إن هذا هو أدب سؤال المتعلم للعالم.
- التواضع لا سقف له. ذكر السعدي تواضع الفاضل للتعلّم ممن دونه، وأن العالم المتقدّم في علمٍ قد يتعلّم فنًّا بعينه ممن هو متخصّص فيه.
- الصبر ثمرة العلم. الجملة المحورية في القصة هي الآية 68. وقال السعدي إن السبب الأكبر لحصول الصبر إحاطة الإنسان علمًا بالأمر، وإن من لا يصبر على صحبة المعلّم يفوته علمٌ كثير.
- الحكم على الظاهر، مع العلم بأنه ليس كل شيء. قال السعدي إن إنكار موسى كان حكمًا على الظاهر، وهكذا تجري أحكام الدنيا، وعلم الله محيطٌ بما خفي.
- يُحتمل الضرر الأصغر لدفع الأكبر. استخرجه السعدي من السفينة: قُبل فيها عيبٌ لتنجو كلها من الملك.
- القضاء الذي تكرهه قد يكون رحمة. كلام ابن كثير في الغلام، مع أثر قتادة وآية البقرة، هو قلب هذا الدرس.
- صلاح الأب ظلٌّ للأبناء. أُقيم الجدار لغلامين يتيمين لأن أباهما كان صالحًا.
- قل: إن شاء الله. علّق موسى وعده بمشيئة الله، وعدّه السعدي من آداب القصة.
- انسب الخير إلى الله والعيب إلى نفسك. قال الخضر «فأردت» في العيب و«فأراد ربك» في الرحمة.
وتجد هذه القصة بجوار نماذج أخرى في مقالنا عن الصبر في قصص الأنبياء، حيث صبر موسى مع الخضر هو الصبر على ما لا نفهمه.
كيف نحكي قصة موسى والخضر للأطفال؟
احكِ القصة للأطفال على أنها رحلةٌ فيها ثلاث مفاجآت، ودعهم يشعرون بما شعر به موسى قبل أن يأتي التأويل. ابدأ بالمشي الطويل والحوت الذي قفز في البحر، وهو مشهدٌ يحبه الأطفال. ثم اعرض كل فعلٍ من الأفعال الثلاثة على أنه لغز: ثقبٌ في سفينة، وجدارٌ أُصلح بلا أجر، ومع الصغار يمكنك أن تقول إن الخضر فعل شيئًا بدا خطأً كبيرًا وإن موسى كان محقًّا في غضبه. ثم أعطهم التأويل كما أعطاه القرآن تمامًا.
والعبرة التي يستطيع الطفل أن يحملها معه بسيطةٌ وصادقة: الله يعلم ما لا نعلم، وبعض ما يبدو سيئًا رحمةٌ لا نراها بعد. اسألهم: كيف شعر موسى حين خُرقت السفينة؟ ماذا كنت ستقول؟ لماذا قال الخضر «وما فعلته عن أمري»؟
ومع الأكبر سنًّا اقرؤوا الآيات 66 إلى 70 معًا وتحدّثوا عن طريقة موسى في طلب التعلّم، وعن الوعد الذي قطعه. إنه مدخلٌ طبيعي للحديث عن الأدب مع المعلّم والوفاء بالكلمة. وقصة موسى وفرعون رفيقةٌ جيدة للسنّ نفسها، لأنها تُري الطفل النبيَّ نفسه في امتحانٍ مختلفٍ تمامًا.
شاهد قصة موسى والخضر واقرأها في تطبيق قصص
تطبيق قصص تطبيقٌ مجاني لقصص الأنبياء بلا إعلانات ولا حساب، و«قصة موسى والخضر» واحدةٌ من قصصه السينمائية: السفينة والغلام والجدار في مشاهد قصيرة تشاهدها، أو تقرؤها صفحةً صفحة مع طفلك، مع اختبارٍ قصير في نهايتها. وصور التطبيق بلا وجوه، فتُعرض القصة من خلال السفينة والساحل والجدار لا من خلال أشخاصها.
ولأن القصة في سورة الكهف، يفتح لك التطبيق السورة كاملةً في المصحف مع التفسير الميسر وتفسير ابن كثير بجانب الآيات، وهذا أفضل ما تقرأ به الآيات 60 إلى 82 على مهل. وفي السورة نفسها قصة أصحاب الكهف وقصة ذي القرنين والسد، وكلتاهما في التطبيق، وكثيرٌ من الأسر تقرأ القصص الأربع يوم الجمعة؛ وفي دليلنا عن قراءة سورة الكهف يوم الجمعة بيان ذلك. وفي التطبيق أيضًا مواقيت الصلاة واتجاه القبلة والمسبحة ثلاثية الأبعاد لبقية يومك.
أسئلة شائعة
من هو الخضر في القرآن؟
الخضر عبدٌ صالح آتاه الله رحمةً خاصة من عنده وعلّمه من لدنه علمًا [الكهف: 65]. ولم يذكر القرآن اسمه، وجاء اسم «الخضر» في الروايات الصحيحة، وبه سمّاه المفسرون المعتمدون كابن كثير والسعدي والتفسير الميسر.
هل الخضر نبي؟
اختلف العلماء، ولم يحسم القرآن المسألة. فالتفسير الميسر يسمّيه نبيًّا، وابن كثير يذكر الآيتين 65 و82 دليلًا لمن قال بنبوته، والسعدي يرى أنه عبدٌ صالح لا نبي على الصحيح. والجميع متفقون على أنه فعل ما فعل بأمر الله وعلمه، كما قال القرآن: «وما فعلته عن أمري».
أين وردت قصة موسى والخضر في القرآن؟
في سورة الكهف، من الآية 60 إلى الآية 82، وهي ثالثة قصص السورة الأربع: بعد أصحاب الكهف وصاحب الجنتين، وقبل ذي القرنين.
لماذا رحل موسى إلى الخضر؟
لأنه أُخبر بعبدٍ من عباد الله عنده علمٌ ليس عنده، فعزم أن يتعلّمه منه. وفسّر السعدي الرحلة بشدة رغبة موسى في الخير وطلب العلم، وقال التفسير الميسر إنه رحل ليتعلّم من العبد الصالح ما ليس عنده من العلم.
لماذا خرق الخضر السفينة؟
لأن أمامهم ملكًا يأخذ كل سفينةٍ صالحة غصبًا، وكانت السفينة لمساكين يعملون في البحر [الكهف: 79]. فأعابها الخضر ليتركها الملك ويبقى أصحابها منتفعين بها. قال السعدي: ليكون فيها عيب فتسلم من ذلك الظالم.
لماذا قتل الخضر الغلام؟
ذكر القرآن السبب في الآيتين 80 و81: كان أبواه مؤمنَين، فخُشي أن يرهقهما طغيانًا وكفرًا، فأراد الله أن يبدلهما خيرًا منه زكاةً وأقرب رحمًا. وقال التفسير الميسر إن الغلام كان في علم الله كافرًا، ولو بقي لحمل أبويه على الكفر. وقد فعل الخضر ذلك بأمر الله لا برأيه، والتفسير صريحٌ في أن إنكار موسى كان حقًّا بالمقاييس التي كُلّف بها الناس.
ماذا كان تحت الجدار الذي أقامه الخضر؟
كنزٌ لغلامين يتيمين كان أبوهما صالحًا [الكهف: 82]. وقال التفسير الميسر إنه من الذهب والفضة، ورجّح الطبري وابن كثير أنه مالٌ مدفون. وأُقيم الجدار ليبقى قائمًا حتى يكبر الغلامان ويستخرجا كنزهما.
ما أهم درس في قصة موسى والخضر؟
أن علم الله محيطٌ بما لا يحيط به علمنا، فالصبر على ما لا نفهمه من الإيمان. فسؤال الخضر «وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرًا» [الكهف: 68] مفتاح القصة، وقوله في ختامها «وما فعلته عن أمري» جوابها.
المصادر
سورة الكهف [60-82]، مع التفسير الميسر (60-82)، وتفسير ابن كثير (60-82)، وتفسير السعدي (60-82 وفوائده المستنبطة في ختام الآية 82)، وتفسير الطبري (60، 82).
آخر تحديث: · بقلم فريق قصص





