1. QASAS
  2. المدونة

لماذا قتل سيدنا موسى عليه السلام القبطي؟ الجواب من القرآن وكتب التفسير

وكزةٌ واحدة، ورجلٌ يموت، وشابٌّ يخرج من مصر خائفًا يترقّب. ماذا حدث في المدينة، وهل قصد موسى القتل، ولماذا قال «هذا من عمل الشيطان»، وكيف غفر الله له، وكيف عيّره فرعون بها بعد سنين.

بقلم فريق قصص16 دقيقة قراءة

موسى من الخلف في عباءةٍ داكنة وعصاه قد صارت ثعبانًا عظيمًا يلقف حبال السحرة أمام قصر فرعون

لماذا قتل موسى القبطي؟ سؤالٌ يتكرّر كثيرًا عند قراءة قصة سيدنا موسى عليه السلام، وهو سؤالٌ مشروع. نبيٌّ من أولي العزم يخبرنا القرآن أنه ضرب رجلًا فمات. فكيف وقع ذلك؟ وهل كان يريده؟ وهل هو ذنب؟ وكيف يصدر ذلك ممن اصطفاه الله؟

يروي القرآن الحادثة في سورة القصص [القصص: 14-21]، ثم يعود إليها ثلاث مرات: حين عيّر فرعونُ موسى بها [الشعراء: 18-22]، وحين ذكرها موسى ساعة كلّفه الله بالرسالة [القصص: 33]، وحين عدّد الله نعمه على موسى في سورة طه [طه: 40]. وإذا قُرئت هذه المواضع معًا أجابت عن الأسئلة كلها. وفي هذا المقال نقف عندها واحدًا واحدًا، مع التفسير الميسر وتفسير ابن كثير والطبري والسعدي، ونقول بوضوح أين يسكت القرآن والتفسير.

وهذا المقال يجيب عن سؤالٍ واحد. أما القصة كاملة، من التابوت في اليمّ إلى انفلاق البحر، فتجدها في مقال قصة موسى وفرعون كاملة.

الجواب المختصر: وكزةٌ لفضّ شجار، من غير قصدٍ للقتل

ضرب موسى رجلًا ضربةً واحدة ليكفّه عن رجلٍ استغاث به، فمات الرجل من تلك الضربة، ولم يكن موسى يريد قتله. هكذا فهم المفسرون الآيات:

﴿وَدَخَلَ ٱلْمَدِينَةَ عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَـٰذَا مِن شِيعَتِهِۦ وَهَـٰذَا مِنْ عَدُوِّهِۦ ۖ فَٱسْتَغَـٰثَهُ ٱلَّذِى مِن شِيعَتِهِۦ عَلَى ٱلَّذِى مِنْ عَدُوِّهِۦ فَوَكَزَهُۥ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ ۖ قَالَ هَـٰذَا مِنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَـٰنِ ۖ إِنَّهُۥ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ ١٥ قَالَ رَبِّ إِنِّى ظَلَمْتُ نَفْسِى فَٱغْفِرْ لِى فَغَفَرَ لَهُۥٓ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ١٦ قَالَ رَبِّ بِمَآ أَنْعَمْتَ عَلَىَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ ١٧﴾
سورة القصص · الآيات 15–17

في هذه الآيات ثلاثة أمور واضحة. الأول أن موسى لم يبدأ الشجار، بل دخل على خصومةٍ قائمة فطُلبت منه النصرة. والثاني أنه ضرب مرةً واحدة، ولم يذكر القرآن سلاحًا ولا مطاردة ولا ضربةً ثانية. والثالث أن ردّ فعله كان الندم فورًا، فقبل أن يتّهمه أحد قال: ﴿هَـٰذَا مِنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَـٰنِ﴾ [القصص: 15]، ثم توجّه إلى ربه: ﴿رَبِّ إِنِّى ظَلَمْتُ نَفْسِى فَٱغْفِرْ لِى﴾ [القصص: 16].

وفي التفسير الميسر أمران يرفعان أكثر الإشكال. فعند تفسير جواب موسى لفرعون يقول إنه فعل ما فعل «من غير عمد»، وعند تفسير آية طه يقول صراحة إنه قتل القبطي «خطأ». وفي ختام تفسير آية القصص نفسها: «وهذا العمل من موسى عليه السلام كان قبل النبوة».

ماذا حدث في المدينة؟

دخل موسى المدينة وقد صار رجلًا مكتمل القوة، في وقتٍ غفل فيه أهلها، فوجد رجلين يتقاتلان: أحدهما من بني إسرائيل، والآخر من قوم فرعون. ويمهّد القرآن للمشهد بالآية التي قبله:

﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُۥ وَٱسْتَوَىٰٓ ءَاتَيْنَـٰهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ ١٤﴾
سورة القصص · الآية 14

قال في الميسر: لما بلغ موسى أشدّ قوته وتكامل عقله، آتاه الله حكمًا وعلمًا يعرف بهما الأحكام. ثم قال تعالى إنه دخل المدينة ﴿عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا﴾ [القصص: 15]. وذكر الطبري أن ذلك كان وقت القيلولة نصف النهار، حين تُغلق الأسواق وتخلو الطرق. وقال السعدي: إما وقت القائلة، أو غيره من الأوقات التي يغفل فيها الناس عن الانتشار. ولم يسمّ القرآن المدينة، والساعة بعينها ليست مما يتوقّف عليه الدرس.

فوجد فيها ﴿رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَـٰذَا مِن شِيعَتِهِۦ وَهَـٰذَا مِنْ عَدُوِّهِۦ﴾ [القصص: 15]. قال ابن كثير والسعدي: الذي من شيعته من بني إسرائيل، والذي من عدوّه من القبط، وهم قوم فرعون. وفي الميسر: والآخر من قوم فرعون. ومن هنا جاءت تسمية الناس له «القبطي». أما اسمه، وعمله، وسبب الشجار، فلم يذكرها القرآن.

ثم ﴿فَٱسْتَغَـٰثَهُ ٱلَّذِى مِن شِيعَتِهِۦ﴾ [القصص: 15]. ويلفت السعدي إلى معنى لطيف: إنما استغاث به لأن أمر موسى قد اشتهر، وعلم الناس أنه من بني إسرائيل، فصار رجلًا يُخاف منه ويُرجى، لأنه نشأ في بيت المملكة والسلطان.

ولا ننسَ طبيعة البلد. فالسورة نفسها تبدأ بوصف طغيان فرعون: ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَآئِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَآءَهُمْ﴾ [القصص: 4]. فالشجار بين رجلٍ من المستضعفين ورجلٍ من قوم فرعون لم يكن شجارًا بين متكافئين.

ما معنى «فوكزه»؟ ضربةٌ واحدة

الوكز في كلام المفسرين ضربٌ بجُمع الكف، أي بقبضة اليد. قال في الميسر: فضربه موسى بجُمع كفّه فمات. ونقل ابن كثير عن مجاهد المعنى نفسه: طعنه بجُمع كفه، وذكر قولًا آخر عن قتادة أنه وكزه بعصا كانت معه. وعلى القولين فهي ضربةٌ واحدة.

ثم قال تعالى: ﴿فَقَضَىٰ عَلَيْهِ﴾ [القصص: 15]، أي كانت فيها نهايته فمات. ويبيّن السعدي السبب: أماته من تلك الوكزة لشدّتها وقوة موسى. وقد أخبرنا القرآن قبلها مباشرة أن موسى بلغ أشدّه. ضرب ليكفّ رجلًا، لا ليُنهي حياته، فمات الرجل.

هل قصد موسى قتل القبطي؟

لا. فقد نصّ التفسير الميسر والسعدي على أن موسى أراد أن يكفّ الرجل لا أن يقتله، وسياق القرآن يشهد لذلك.

وقد قرّر السعدي هذا في ثلاثة مواضع. فعند قوله تعالى ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَآئِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص: 21] قال إن موسى قد تاب من ذنبه، و«فعله غضبًا من غير قصدٍ منه للقتل». وعند آية الشعراء قال إن موسى بيّن لفرعون أن قتله كان «على وجه الضلال والخطأ، الذي لم يقصد نفس القتل». وعند آية الاستغفار وصفه بأنه من المخبتين المبادرين إلى الإنابة والتوبة. وعبارة الميسر: «من غير عمد» و«خطأ».

وصورة القرآن تؤيّد ذلك: لا تدبير سابق، فقد صادف الشجار مصادفة. ولا سلاح أُعدّ، ولا كمين، ولا ضربة ثانية. وأول كلمةٍ قالها بعد ذلك اعترافٌ ودعاء، لا تبرير.

لماذا قال موسى: هذا من عمل الشيطان؟

لأن الشيطان هيّج غضبه حتى ضرب. قال في الميسر: قال موسى حين قتله: هذا من نزغ الشيطان، بأن هيّج غضبي حتى ضربت هذا فهلك، إن الشيطان عدوٌّ لابن آدم، مضلٌّ عن سبيل الرشاد، ظاهر العداوة.

وقال السعدي: أي من تزيينه ووسوسته، وذكر أن موسى ندم على ما جرى منه. فليست الكلمة إلقاءً للّوم على غيره ليبرّئ نفسه، بل العكس تمامًا: عرف فورًا أن ما فعله خطأ، وسمّى مصدر الدفع إليه، ثم حمّل نفسه المسؤولية في الآية التالية بقوله: ﴿إِنِّى ظَلَمْتُ نَفْسِى﴾ [القصص: 16].

ويختم القرآن الآية بوصف الشيطان: ﴿إِنَّهُۥ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ﴾ [القصص: 15]. وفي ذلك درسٌ لكل قارئ: الغضب، ولو كان غضبًا لنصرة مظلوم، بابٌ من أبواب الشيطان.

هل كان ذنبًا؟ وهل غفر الله له؟

سمّاه موسى ظلمًا لنفسه، وغفر الله له في الآية نفسها. قال الطبري في تفسير ﴿رَبِّ إِنِّى ظَلَمْتُ نَفْسِى﴾ [القصص: 16]: بقتل النفس التي لم تأمرني بقتلها، فاعفُ عن ذنبي ذلك، واستره عليّ، ولا تؤاخذني به فتعاقبني عليه. ونقل عن ابن جريج: لا ينبغي لنبيٍّ أن يقتل حتى يؤمر، ولم يُؤمر. وفي الميسر: رب إني ظلمت نفسي بقتل النفس التي لم تأمرني بقتلها، فاغفر لي ذلك الذنب.

وجاء الجواب بلا تأخير: ﴿فَغَفَرَ لَهُۥٓ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾ [القصص: 16]. قال الطبري: فعفا الله لموسى عن ذنبه ولم يعاقبه به. وقال السعدي: إنه هو الغفور الرحيم، خصوصًا للمخبتين المبادرين للإنابة والتوبة، كما جرى من موسى عليه السلام.

فالقرآن لا يُخفي ما حدث، ولا يضخّمه. مات رجلٌ بيد موسى، ولم يكن موسى يريد ذلك، فرآه خطأً، واستغفر فورًا، فغُفر له.

هل كان موسى نبيًّا حين قتل القبطي؟

لا. فقد وقعت الحادثة قبل أن يرسله الله. نصّ على ذلك الميسر في تفسير آية القصص، وقاله موسى نفسه بعد سنين حين ذكّره فرعون بها:

﴿قَالَ فَعَلْتُهَآ إِذًا وَأَنَا۠ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ ٢٠ فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِى رَبِّى حُكْمًا وَجَعَلَنِى مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ ٢١﴾
سورة الشعراء · الآيات 20–21

قال الطبري في قوله ﴿وَأَنَا۠ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ﴾ [الشعراء: 20]: أي وأنا من الجاهلين قبل أن يأتيني من الله وحيٌ بتحريم قتله عليّ، وذكر أن العرب تضع الضلال موضع الجهل، فتقول: جهل فلانٌ الطريق وضلّ الطريق بمعنى واحد، ونقل هذا المعنى عن مجاهد وقتادة. وقال ابن كثير: أي قبل أن يوحى إليّ وينعم الله عليّ بالرسالة والنبوة. وقال السعدي: أي عن غير كفر، وإنما كان عن ضلالٍ وسفه، فاستغفرت ربي فغفر لي.

ثم تأتي بقية الجواب: ﴿فَوَهَبَ لِى رَبِّى حُكْمًا وَجَعَلَنِى مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: 21]. ولخّصها ابن كثير بقوله: الحال الأول انفصل وجاء أمرٌ آخر، فقد أرسلني الله إليك. وكان التكليف بالرسالة بعد ذلك بسنين، عند الوادي المقدّس وهو عائدٌ من مدين، حين نودي: ﴿يَـٰمُوسَىٰٓ إِنِّىٓ أَنَا ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ [القصص: 30].

عهد موسى بعد المغفرة

بعد أن غُفر له مباشرة، قطع موسى على نفسه عهدًا: ﴿رَبِّ بِمَآ أَنْعَمْتَ عَلَىَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص: 17].

قال السعدي: بما أنعمت عليّ بالتوبة والمغفرة والنعم الكثيرة، فلن أكون معينًا ومساعدًا للمجرمين، أي لا أعين أحدًا على معصية. «وهذا وعدٌ من موسى عليه السلام بسبب منّة الله عليه أن لا يعين مجرمًا، كما فعل في قتل القبطي». ثم استخرج منه قاعدةً عامة: النعم تقتضي من العبد فعل الخير وترك الشر. وفي الميسر: فلن أكون معينًا لأحدٍ على معصيته وإجرامه. وقال ابن كثير: المجرمون هم الكافرون بالله المخالفون لأمره.

وتأمّل مضمون العهد: لقد نصر موسى رجلًا من قومه دون أن يسأل من المحقّ منهما. فكان عهده ألّا يضع قوّته في خدمة الظلم أبدًا، أيًّا كان صاحبه.

في اليوم التالي: الرجل نفسه وشجارٌ آخر

أصبح موسى في المدينة خائفًا يترقّب الأخبار، فإذا الرجل الذي استنصره بالأمس يتشاجر مرةً أخرى ويستصرخه:

﴿فَأَصْبَحَ فِى ٱلْمَدِينَةِ خَآئِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا ٱلَّذِى ٱسْتَنصَرَهُۥ بِٱلْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُۥ ۚ قَالَ لَهُۥ مُوسَىٰٓ إِنَّكَ لَغَوِىٌّ مُّبِينٌ ١٨ فَلَمَّآ أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ بِٱلَّذِى هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا قَالَ يَـٰمُوسَىٰٓ أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِى كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًۢا بِٱلْأَمْسِ ۖ إِن تُرِيدُ إِلَّآ أَن تَكُونَ جَبَّارًا فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْمُصْلِحِينَ ١٩﴾
سورة القصص · الآيات 18–19

فكان أول ما قاله موسى لصاحبه الإسرائيلي: ﴿إِنَّكَ لَغَوِىٌّ مُّبِينٌ﴾ [القصص: 18]. قال السعدي: موبّخًا له على حاله، أي بيّن الغواية ظاهر الجراءة. وقال ابن كثير: ظاهر الغواية كثير الشر. وهذا هو العهد الذي قطعه بالأمس يعمل عمله: لم ينحز موسى إلى صاحبه هذه المرة دون تمييز.

ثم همّ موسى بالآخر، فقيل له: ﴿يَـٰمُوسَىٰٓ أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِى كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًۢا بِٱلْأَمْسِ﴾ [القصص: 19]. واختلف المفسرون في قائلها:

والقولان يتفقان على المهم: بهذا الشجار الثاني انكشف أمر القتيل، ولم يكرّر موسى ما وقع منه بالأمس. أما قوله: ﴿إِن تُرِيدُ إِلَّآ أَن تَكُونَ جَبَّارًا فِى ٱلْأَرْضِ﴾ [القصص: 19] فهو اتهام القائل. وعلّق السعدي بأن من أعظم آثار الجبّار في الأرض قتل النفس بغير حق، وأن من أراد الإصلاح حقًّا لحال بين الرجلين من غير قتل أحد.

لماذا خرج موسى من مصر إلى مدين؟

خرج لأن الملأ من قوم فرعون تآمروا على قتله، فجاءه رجلٌ يسعى ينذره:

﴿وَجَآءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَا ٱلْمَدِينَةِ يَسْعَىٰ قَالَ يَـٰمُوسَىٰٓ إِنَّ ٱلْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَٱخْرُجْ إِنِّى لَكَ مِنَ ٱلنَّـٰصِحِينَ ٢٠ فَخَرَجَ مِنْهَا خَآئِفًا يَتَرَقَّبُ ۖ قَالَ رَبِّ نَجِّنِى مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ ٢١﴾
سورة القصص · الآيات 20–21

قال ابن كثير: سلك الرجل طريقًا أقرب من طريق الذين بُعثوا في طلبه، فسبقهم إلى موسى. وقال السعدي: قيّض الله ذلك الرجل الناصح، فجاء ركضًا على قدميه نصحًا لموسى وخوفًا أن يوقعوا به، فامتثل موسى نصحه. ولم يذكر القرآن اسم هذا الرجل.

فخرج موسى وحده ﴿خَآئِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص: 21] يدعو: ﴿رَبِّ نَجِّنِى مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ [القصص: 21]. ويلفت السعدي هنا إلى معنى مهم: لقد تاب موسى من ذنبه، وكان فعله غضبًا من غير قصدٍ للقتل، فتوعّدهم له ظلمٌ منهم وجراءة. ولهذا سمّاهم «القوم الظالمين».

وذكر ابن كثير كم ترك موسى وراءه: كان في رفاهيةٍ ونعمةٍ ورئاسة، فخرج لا يملك شيئًا. ولما توجّه تلقاء مدين قال: ﴿عَسَىٰ رَبِّىٓ أَن يَهْدِيَنِى سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ﴾ [القصص: 22]. وما جرى بعد ذلك عند ماء مدين، والمرأتين، ودعائه ﴿رَبِّ إِنِّى لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: 24]، تجده في القصة الكاملة وفي مقال أدعية الأنبياء في القرآن.

كيف عيّر فرعون موسى بالقتل؟

لما عاد موسى رسولًا بعد سنين، حاول فرعون أن يُحرجه بأمرين: تربيته في القصر، وحادثة القتل.

﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ ١٨ وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ ٱلَّتِى فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ ١٩﴾
سورة الشعراء · الآيات 18–19

قال في الميسر: قال فرعون لموسى ممتنًّا عليه: ألم نربّك في منازلنا صغيرًا، ومكثت في رعايتنا سنين من عمرك، وارتكبت جنايةً بقتلك رجلًا من قومي حين ضربته ودفعته، وأنت من الجاحدين نعمتي؟ فجاء جواب موسى الذي قرأناه آنفًا: اعترف بالفعل، وبيّن أنه كان قبل الوحي، ثم انتقل مباشرةً إلى الرسالة.

بعد الحادثة بسنين، يعود موسى إلى مصر رسولًا، يظهر من الخلف وعصاه قد صارت ثعبانًا عظيمًا يتحرّك على الرمل أمام سحرة فرعون
بعد الحادثة بسنين، يعود موسى إلى مصر رسولًا، يظهر من الخلف وعصاه قد صارت ثعبانًا عظيمًا يتحرّك على الرمل أمام سحرة فرعون

ولخّص السعدي هذه المحاورة تلخيصًا جميلًا: اعتراض فرعون على موسى اعتراض جاهلٍ أو متجاهل، لأنه جعل القتل مانعًا من كونه رسولًا، فبيّن له موسى أن قتله كان على وجه الخطأ الذي لم يقصد فيه القتل، وأن فضل الله لا يُمنع منه أحد، فلِمَ تمنعون ما منحني الله من الحكم والرسالة؟ أما التربية فردّ عليها موسى في الآية التالية: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَىَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ﴾ [الشعراء: 22].

هل بقي أثر الحادثة في نفس موسى؟

نعم. فحين ناداه الله في الوادي وأمره بالذهاب إلى فرعون، كانت الحادثة من أول ما ذكره:

﴿قَالَ رَبِّ إِنِّى قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ ٣٣ وَأَخِى هَـٰرُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّى لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِىَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِىٓ ۖ إِنِّىٓ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ ٣٤ قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَـٰنًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا ۚ بِـَٔايَـٰتِنَآ أَنتُمَا وَمَنِ ٱتَّبَعَكُمَا ٱلْغَـٰلِبُونَ ٣٥﴾
سورة القصص · الآيات 33–35

قال ابن كثير: لما أمره الله بالذهاب إلى فرعون الذي إنما خرج من مصر فرارًا منه وخوفًا من سطوته، قال: ﴿رَبِّ إِنِّى قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ﴾ [القصص: 33]، أي إذا رأوني. وقال السعدي: قالها معتذرًا من ربه، وسائلًا له المعونة على ما حمّله، وذاكرًا الموانع التي فيه ليزيلها ربه. فأزالها الله: شدّ عضده بأخيه هارون، ووعده ﴿فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا﴾ [القصص: 35].

والمعنى نفسه حاضرٌ في دعائه المشهور في سورة طه: ﴿رَبِّ ٱشْرَحْ لِى صَدْرِى﴾ [طه: 25]، وقد شرحناه في مقال دعاء رب اشرح لي صدري.

«وقتلت نفسًا فنجيناك من الغم»: الله يعدّها من نعمه

في سورة طه يعدّد الله نعمه على موسى، ومنها ما يتعلق بهذه الحادثة بعينها:

﴿إِذْ تَمْشِىٓ أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ مَن يَكْفُلُهُۥ ۖ فَرَجَعْنَـٰكَ إِلَىٰٓ أُمِّكَ كَىْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ ۚ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَـٰكَ مِنَ ٱلْغَمِّ وَفَتَنَّـٰكَ فُتُونًا ۚ فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِىٓ أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍ يَـٰمُوسَىٰ ٤٠﴾
سورة طه · الآية 40

قال في الميسر: وقتلت الرجل القبطي خطأً فنجّيناك من غمّ فعلك وخوف القتل، وابتليناك ابتلاءً، فخرجت خائفًا إلى أهل مدين، فمكثت سنين فيهم. وقال السعدي: فنجّاه الله من الغمّ، من عقوبة الذنب ومن القتل. وقال ابن كثير: الغمّ ما حصل له بسبب عزم آل فرعون على قتله، ففرّ منهم حتى ورد ماء مدين، وقال له الرجل الصالح: ﴿لَا تَخَفْ ۖ نَجَوْتَ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ [القصص: 25].

فالقرآن يعرض الحادثة كلها في سياق عناية الله بموسى: غُفر الخطأ، وصُرف الخطر، وصارت السنوات في مدين إعدادًا للرسالة. وختم السعدي تفسير الآية بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍ يَـٰمُوسَىٰ﴾ [طه: 40]، أي جئت مجيئًا قد مضى به القدر، ليس مجيئك اتفاقًا من غير قصدٍ ولا تدبير.

الحادثة خطوةً خطوة

المرحلةما حدثالآيات
بلوغ الأشُديبلغ موسى أشدّه ويؤتى حكمًا وعلمًاالقصص 14
الشجاريجد رجلًا من قومه ورجلًا من قوم فرعون يقتتلانالقصص 15
الوكزةيضرب مرةً واحدة فيموت الرجلالقصص 15
الندم«هذا من عمل الشيطان»القصص 15
المغفرة«رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي» فغفر لهالقصص 16
العهد«فلن أكون ظهيرًا للمجرمين»القصص 17
اليوم التاليالرجل نفسه وشجارٌ آخر، وينكشف الأمرالقصص 18-19
النذير والخروجرجلٌ يسعى ينذره، فيخرج إلى مدينالقصص 20-22
التكليف«إني قتلت منهم نفسًا فأخاف أن يقتلون»القصص 33-35
أمام فرعون«فعلتها إذًا وأنا من الضالين»الشعراء 18-22
نعمة الله«وقتلت نفسًا فنجيناك من الغم»طه 40

دروسٌ من الحادثة

  1. القرآن يصدُق في الحديث عن أنبيائه. لا يُخفي ما وقع لموسى ولا يضخّمه، بل يذكر الفعل والنية والندم والمغفرة.
  2. الغضب بابٌ للشيطان. سمّى موسى الوكزة عملًا من عمل الشيطان. والغضب، ولو بدأ برغبةٍ في نصرة أحد، قد يبلغ بصاحبه ما لم يُرد.
  3. الاعتراف الفوري. أول ما قاله موسى: ﴿إِنِّى ظَلَمْتُ نَفْسِى﴾ [القصص: 16]، بلا عذرٍ ولا تأخير.
  4. الله يغفر لمن يسارع بالرجوع. جاءت المغفرة في الآية نفسها التي فيها الطلب، وقال السعدي: خصوصًا للمخبتين المبادرين إلى التوبة.
  5. اجعل المغفرة عهدًا. قابل موسى نعمة الله بعهدٍ ألا يعين على ظلمٍ أبدًا [القصص: 17]، والنعم تقتضي فعل الخير وترك الشر.
  6. لا تنحز انحيازًا أعمى. قال موسى لصاحبه من قومه في اليوم التالي: ﴿إِنَّكَ لَغَوِىٌّ مُّبِينٌ﴾ [القصص: 18]. الانتماء إلى جماعتك لا يجعل المرء محقًّا.
  7. الخطأ الماضي لا يُغلق باب فضل الله. أراد فرعون أن يجعل القتل مانعًا من الرسالة، وقد غفره الله واصطفى موسى رسولًا.
  8. الله يجعل من المحنة إعدادًا. حملت ساعة الخروج موسى إلى مدين، وحملته مدين إلى الوادي حيث نودي [طه: 40].

هل في الحادثة مسوّغٌ للعنف؟

لا، والقرآن يمنع هذا الفهم. فالذي وقع منه الفعل سمّاه ﴿مِنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَـٰنِ﴾ [القصص: 15]، وسمّى نفسه ظالمًا، واستغفر، وعاهد ربه ألا يعين على إجرامٍ أبدًا. وفسّر الطبري والميسر ذنبه بأنه قتل نفسٍ لم يأمره الله بقتلها. والقصة كلها تُروى في سورةٍ تذمّ من ﴿كَانَ مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص: 4].

بل الآيات تحذيرٌ صريح: حتى الرجل الصالح، وهو ينصر الضعيف، قد يفعل في لحظة غضبٍ ما يبقى أثره في نفسه سنين.

كيف نشرحها للأطفال؟

بكلماتٍ بسيطة وصادقة: رأى موسى رجلين يتشاجران، فطلب أحدهما مساعدته. وكان موسى قويًّا جدًّا، فضرب الآخر ضربةً واحدة ليوقفه، فمات الرجل، وموسى لم يكن يريد ذلك أبدًا. فحزن موسى فورًا، وقال إن الشيطان هو الذي أغضبه، وطلب من الله أن يغفر له، فغفر الله له. ثم وعد موسى ألا يساعد أحدًا على الظلم.

والدروس التي يحملها الطفل: الغضب يجعلنا نفعل ما نندم عليه، وإذا أخطأنا نستغفر الله فورًا، والله يحب أن يغفر. وتجد طرقًا أخرى لرواية قصة موسى للصغار في فقرة الأطفال من قصة موسى وفرعون.

اقرأ وشاهد قصة موسى في تطبيق قصص

«قصص» تطبيق قصص الأنبياء المجاني، فيه قصص القرآن بأسلوبٍ سينمائي، تشاهدها أو تقرؤها صفحةً صفحة، ويليها اختبارٌ قصير. وفي التطبيق قصة موسى والسحرة وقصة انفلاق البحر.

قصة سيدنا موسىشاهد القصة في تطبيق قصصقصة سيدنا موسىماذا حدث حين ألقى موسى عصاه أمام سحرة فرعون؟افتح على Google Play ←

ويمكنك أن تفتح سورة القصص في المصحف الكامل مع التلاوة، وتقرأ التفسير الميسر وتفسير ابن كثير تحت كل آية، مع الترجمة ومعاني الكلمات. وفي التطبيق أيضًا مواقيت الصلاة والقبلة والأذكار والسبحة ثلاثية الأبعاد، وكل ذلك مجاني بلا إعلانات ولا حساب.

أسئلة شائعة

لماذا قتل موسى عليه السلام القبطي؟

لم يقصد قتله. وجد رجلًا من قومه يقتتل مع رجلٍ من قوم فرعون، فاستغاثه الإسرائيلي، فوكز موسى الآخر وكزةً واحدة فمات [القصص: 15]. وفي الميسر وتفسير السعدي أن ذلك كان من غير قصدٍ للقتل وقبل النبوة.

هل كان قتل موسى للقبطي عمدًا؟

لا. قال السعدي إن موسى فعله غضبًا من غير قصدٍ منه للقتل، وإنه كان على وجه الخطأ. وعبارة الميسر: «من غير عمد» [الشعراء: 20] و«خطأ» [طه: 40].

ما معنى «هذا من عمل الشيطان» في سورة القصص؟

أي إن الشيطان هيّج غضب موسى حتى ضرب. هكذا فسّرها الميسر، وقال السعدي: من تزيينه ووسوسته. وقالها موسى ندمًا، ثم حمّل نفسه المسؤولية بقوله: «رب إني ظلمت نفسي».

هل غفر الله لموسى قتل القبطي؟

نعم. قال موسى: «رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي»، وفي الآية نفسها: «فغفر له» [القصص: 16]. قال الطبري: فعفا الله لموسى عن ذنبه ولم يعاقبه به.

هل كان موسى نبيًّا حين قتل القبطي؟

لا. نصّ الميسر على أن ذلك كان قبل النبوة، وقال موسى لفرعون: «فعلتها إذًا وأنا من الضالين» [الشعراء: 20]، وفسّرها الطبري وابن كثير بأنه كان قبل أن يأتيه الوحي.

من قال: «أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسًا بالأمس»؟

اختلف المفسرون. فعند ابن كثير قالها الإسرائيلي حين ظنّ أن موسى يريد البطش به، فانكشف السرّ بذلك. وعند السعدي قالها القبطي زاجرًا لموسى، فانكفّ موسى عنه.

لماذا خرج موسى من مصر إلى مدين؟

لأن الملأ من قوم فرعون تآمروا على قتله بسبب القتيل، فجاءه رجلٌ من أقصى المدينة يسعى ينذره [القصص: 20]. فخرج وحده يدعو: «رب نجني من القوم الظالمين» [القصص: 21].

هل ذكر القرآن اسم القبطي؟

لا. قال القرآن إنه «من عدوّه» فقط، وفسّره ابن كثير والسعدي بأنه من القبط قوم فرعون. أما اسمه وسبب الشجار فلم يُذكرا، والعبرة لا تتوقف عليهما.

المصادر

القرآن الكريم: سورة القصص [4، 14-22، 24-25، 30، 33-35]، وسورة الشعراء [18-22]، وسورة طه [25، 40]. والتفسير: التفسير الميسر (مجمع الملك فهد)، وتفسير ابن كثير، وتفسير الطبري (جامع البيان)، وتفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن)، على الآيات نفسها.

آخر تحديث: · بقلم فريق قصص

مجاني · بدون إعلانات · بدون حساب

شاهد القصة واقرأها في قصص

متوفر الآن على أندرويد. نسخة الآيفون قيد المراجعة من آبل وستصل قريباً جداً.

متوفر علىGoogle Playقريباً علىApp Store
QR code: QASAS on Google Playامسح الرمز بهاتفك الأندرويد للتحميل مباشرة

شاهد هذه القصص في التطبيق

اقرأ أيضاً